الأربعاء، 4 يونيو، 2008

انخفاض الدولار وغلاء الأسعار

انخفاض الدولار وغلاء الأسعار
مؤامرة أمريكية

يجب التذكير ابتداء أن الدولار قد تم فك الارتباط رسمياً بينه وبين الذهب في العام 1971م أيام حكم نيكسون. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت أمريكا تتلاعب بعملات الدول الأخرى وفقاً لمصالحها كون الدولار أصبح بمثابة الذهب بالنسبة لتلك العملات.
* فالدولار كغيره من العملات القوية مدعوم باقتصاديات دولة قوية ذات إنتاجية وفيرة ولها سيطرة كبيرة على التجارة العالمية وتملك شركات تجارية عملاقة وتكتلات اقتصادية كبيرة.
* ومن المعلوم أن ثلثي احتياطيات النقد الأجنبي في العالم وَ 80% من مبادلات سعر صرف العملات الأجنبية مقومة بالدولار، وبشكل إجمالي فإن حجم التداول بالدولار حول العالم يبلغ 3 ترليون ولهذا فإن أي تذبذب في سعر الدولار ينعكس تلقائياً على أسعار السلع والخدمات ويؤثر على قيم العملات الأخرى.
إن انخفاض الدولار أو تخفيضه -وبالرغم من أنه عملية مقصودة سنبحث أسبابها بعد قليل- فإنه يعبر بلا شك عن حقيقة وجود أزمة اقتصادية شديدة تمر بها الولايات المتحدة.
والأزمة من حيث هي عبارة عن اضطراب شديد في تدبير شؤون الدولة المالية، وتحتاج من الدولة إلى جهود ضخمة لمعالجة الأزمة وإعادة الوضع الاقتصادي في الدولة إلى ما كان عليه قبل بروز الأزمة.
وهذه الأزمة المالية ليست وليدة خلل بسيط في الأمور المالية تعالج بوسائل عادية وإنما هي مشكلة خطيرة تمر بها الدولة، وأهم أسبابها وضع العملة (الدولار) ووضع ميزان المدفوعات في أمريكا بالإضافة إلى سوء توزيع الثروة الناتج دوماً عن النظام الرأسمالي.
إن هذا الوضع الاقتصادي السيئ الذي تمر فيه أمريكا من أهم علاماته البسيطة وجود انخفاض في معدلات النمو، وتراجع في الاستثمارات، وزيادة في الأسعار، وزيادة في معدلات البطالة.
والأرقام التالية تبين حجم تراجع سعر الدولار بشكل مضطرد:
* فقد تراجع سعر صرف الدولار تجاه اليورو بنسبة 31.1% في الفترة منذ صدور اليور 99 وحتى نهاية 2006م.
* وهبط سعر صرف الدولار إزاء الجنيه الاسترليني بنسبة 31.6% ما بين عامي 2000-2006م. وفي العام 2007 لوحده حتى أيلول/سبتمبر تراجع الدولار أمام الجنيه بنسبة 4.2%.
* وانخفض الدولار أمام الين من عام 95 حتى حزيران 2007م بنسبة 19.8%.
* وتراجع الدولار أمام الدولار الاسترالي من عام 95- 2007م بنسبة 13%.
* وتراجع الدولار أمام الدولار الكندي من عام 95- 2007م بنسبة 29%.
* وانخفض سعر صرف الدولار أمام سلة عملات رئيسة خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة بنسبة 77.93 وذلك حتى أيلول/سبتمبر 2007م.
* الانخفاض لسعر صرف الدولار يتم تحت سيطرة الإدارة الأمريكية.

إن العجز في الميزان التجاري(المدفوعات) الأمريكي بلغ 5% من الناتج الإجمالي. ويظهر العجز عادة عندما لا تفي الإيرادات بسد قيمة المدفوعات، وبمعنى آخر عندما يكون الاستهلاك أكبر من الإنتاج، وأسبابه بشكل عام في دول العالم وبشكل خاص في أمريكا هي:
(1) التوسع في استيراد السلع الاستهلاكية مع وجود ضعف في إنتاجها.
(2) الإنفاق على الحروب [نصف الإنفاق العسكري العالمي].
(3) الإنفاق على النواحي الترفيهية وضعف الإنتاج في الصناعة حيث إن العمالة فيها كانت في العام 1996م تقدر بـِ 11% وفي العام 2006م تناقصت إلى مستوى 8% فقط. ويمكن القول بأن الاقتصاد الأمريكي قد تحول إلى اقتصاد خدمات وقلل من الاعتماد على الصناعة الإنتاجية باستثناء الصناعة الألكترونية.
(4) هروب رؤوس الأموال نتيجة لعدم الثقة في الاقتصاد الأمريكي.
(5) وجود مشكلة فظيعة في الاستثمار في قطاع العقارات حيث أن أزمة القروض العقارية عادة ما تكون مخاطرها كبيرة، وقد اعترف رئيس الاحتياط الفدرالي بن برنانكي: "بأن أزمة الديون العقارية الأمريكية جاءت أكبر بكثير مما كان متوقعاً لها ولا سيما بعدما فقد الكثير من أصحاب الشقق السكنية في الولايات المتحدة قيمتها هذه السنة بسبب أزمة التسليفات العقارية"، وأوضح بأنه: "ثم اللجوء إلى خفض أسعار الفائدة لإعادة إنعاش الاقتصاد لكن مثل هذه الخطوة عادة ما تضعف قيمة العملة بسبب انخفاض العوائد على الاستثمارات المقومة بها"، وأضاف: "إن التضخم الذي زادت أرقامه عن التوقعات أدّى إلى تراجع الوظائف بنمو 4000 وظيفة خلال شهر آب الماضي".
إن مشكلة سوق الرهن العقاري في أمريكا قد طالت أطول من المتوقع وهذا ما تسبب في تكبيد الدولار وخسائر إضافية أمام العملات الأخرى.
فعجز المقترضين الأمريكيين عن سداد قروض الرهن العقاري أدّى إلى حدوث اضطرابات بالأسواق المالية الأمريكية ينتقل عدواها إلى الأسواق المالية الأوروبية والآسيوية مما دفع البنوك المركزية في العديد من البلدان لضخ سيولة بالأسواق لتهدئتها ومع ذلك فلم يفلح ذلك في استقرار تلك الأسواق.
إن عدوى هذه المشكلة الاقتصادية في أمريكا من الطبيعي أن تنتقل إلى العالم بسبب العلاقات والعولمة بين اقتصاديات دول العالم وبين الاقتصاد الأمريكي وذلك عبر أسواق المال والسلع والعمالة بمعنى آخر فإن انتقال هذه العدوى ينحصر في العلاقات النقدية والتجارية والعمالية لذلك كان العلاج الطبيعي في مثل هذه الحالة تخفيض العملة، ويمكن حصر أسباب تخفيضها (سعر صرف الدولار) بالأسباب التالية:
1- زيادة الصادرات لانخفاض أسعار السلع المستوردة من أمريكا لمعالجة عجز الميزان التجاري والذي بلغ (832) مليار دولار العام الماضي ومعالجة عجز الموازنة التي بلغت (209.3) مليار دولار.
2- زيادة كلفة الواردات لتقليلها. مثلاً: إن الفائض التجاري للصين مع أمريكا يبلغ 232.5 مليار عام 2006م، وَ 202 مليار عام 2005م، وَ 140 مليار عام 2004م. وأما الفائض التجاري لليابان مع أمريكا يبلغ 76.8 مليار عام 2006م.
3- تقليل الديون الأمريكية خاصة مع البلدان التي تقترض بالدولار.
4- إعطاء فرص أفضل للشركات الأمريكية للتنافس مع الأوروبيين.
5- معالجة تباطؤ نمو الاقتصاد.
6- الكف عن رفع نسبة الفائدة حيث إنها رفعت 17 مرة متتالية بمعدل 1/4 نقطة في كل مرة ليصل المعدل الإجمالي لنسبة الفائدة إلى 5.25% والبدء بتخفيض النسبة نصف نقطة منذ أربع سنوات ليستقر عند 4.75%.

إن سلبيات سياسة خفض الدولار على الدول الأخرى هي:

1) تآكل الاحتياطات الدولارية لدى الدول التي تربط عملتها بالدولار. فدول الخليج مثلاً تخسر بسبب الدولار الضعيف 20 مليار دولار سنوياً.
2) إلحاق خسائر بالشركات غير الأمريكية وذلك عن طريق رفع سعر صادراتها.
3) انخفاض النمو في البلدان التي ترتفع عملتها مقابل الدولار. على سبيل المثال: تراجع النمو في أوروبا بمعدل 0.6 نقطة عندما أصبح اليورو= 1.30 من الدولار.
4) ارتفاع الأسعار في تلك الدول.

أما سلبيات تخفيض الدولار على أمريكا نفسها فهي:

1) انتقال الاستثمارات الأجنبية إلى منطقة اليورو وآسيا وهروب رؤوس الأموال من أمريكا وتراجع أسعار الأسهم والسندات.
يقول رئيس المفوضية الأوروبية (رومانو برودي): "إن ارتفاع قيمة اليورو إلى المعدل الذي وصلت إليه في 26/6 كان بسبب توقف تدفق الرساميل الأجنبية إلى الولايات المتحدة"، وأضاف: "إن الزيادة جاءت أسرع مما كان متوقعاً".
2) توجه الدول والمؤسسات والأفراد إلى تغيير احتياطاتها من الدولار إلى العملات الأخرى كالصين وروسيا وإيران والكويت والمستثمرين الخليجيين الذين تحولوا إلى اليورو والجنيه الاسترليني خاصة وأن اليورو يخضع لشروط الدول المنضمة إليه في اتفاقية (ماستريخت93) والتي تم تطبيقها بالفعل منذ صدور اليورو عام 99م حيث تم الحفاظ في دول منطقة اليورو على معدل تضخم مناسب وسعر فائدة مناسب ومعدل ديون مناسب وعجز ميزانية مناسب.
3) وجود مخاطر مستقبلية إذا ظل الدولار يتهاوى حيث قد تلجأ البنوك المركزية في العالم إلى بيع موجوداتها من الدولار للحفاظ على قيمة احتياطاتها الرسمية وعندها ستتعرض الشركات الأمريكية إلى انهيارات وإفلاسات مؤكدة.
4) قيام الصين واليابان وبعض الدول الشرق آسيوية بشراء سندات أمريكية بمعنى أنها تستثمر جزءاً من فوائضها التجارية في أصول بالدولار بدلاً من تحويلها إلى عملاتها المحلية.
إن تخفيض سعر الدولار بهذه الطريقة المنهجية هي مؤامرة أمريكية تهدف من تطبيقها إلى معالجة مشاكلها الاقتصادية بصرف النظر عن إيذائها للآخرين وتسببت هذه المؤامرة في ظهور موجة غلاء فاحشة للأسعار في معظم دول العالم. والذي فاقم هذا الغلاء وزاد تأثيره على الشعوب الفقيرة ما واكبه من ارتفاع في أسعار القمح والذي ساهمت أمريكا مع غيرها من البلدان المنتجة له في ارتفاعه.
وأما أسباب ارتفاع أسعار القمح فهي:

1- انضمام دول جديدة كان لديها اكتفاء ذاتي في إنتاج القمح إلى الدول المشترية للقمح في الأسواق العالمية وهي دول ذات كثافة سكانية عالية كالصين والهند وباكستان وبنغلادش.
2- إشاعة فكرة أن القمح أصبح مكوناً رئيسياً من مكونات الوقود العضوي المستقبلي وبالتالي فاستخدامه في شؤون الطاقة أصبح عاملاً منافساً لاستخدامه في الغذاء.
3- اتكال الدول القادرة على زراعة القمح على أمريكا والدول الكبرى المنتجة للقمح لشرائه منها بحجة أن شراء القمح أرخص من زراعته، وأن بشرائه يتم توفير كميات كبيرة من المياه العذبة وهذا ما أدّى إلى تضاؤل المساحات المزروعة للقمح في بلدان كثيرة مستوردة له كمصر التي انخفضت المساحة المزروعة فيها بالقمح من 3.1 مليون فدان عام 2006م إلى 2.2 مليون فدان عام 2007م.
وهكذا ولهذه الأسباب مجتمعة ارتفعت أسعار القمح في البورصات العالمية من 346 دولار للطن في أيلول من العام 2007م إلى 430 دولار للطن آخر نفس العام.

ليست هناك تعليقات: