السبت، 22 يوليو، 2017

جولة تيلرسون الخليجية وصناعة الأزمات


جولة تيلرسون الخليجية وصناعة الأزمات





في جولته الخليجية المكوكية لم يحسم وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون الأزمة المُسْتصنعة بين قطر وغريماتها الأربع: وهي السعودية ومصر والإمارات والبحرين، والتي باتت تُعرف باسم دول المقاطعة الأربع، فلم يضغط تيلرسون جدياً على هذه الدول للقبول بالحل، ولم يتقدم بأي مُبادرة جادة تُظهر ثقل دولته لحمل تلك الدول حتى على مجرد الجلوس على طاولة المُفاوضات، واكتفى فقط بتخفيف حدة النزاع وعدم تطويره، وتركه للزمن فقال: "نُطالب بعدم التصعيد من قبل الأطراف في المنطقة، ندعو قطر إلى الاستجابة لشواغل جيرانها، قطر لديها تاريخ بدعم مختلف الجماعات التي امتدت على نطاق التعبير السياسي، من الناشط إلى العنف، وأمير قطر حقق تقدماً في الحد من تمويل (الإرهاب)، وطرد عناصر (إرهابية) من دولته، ولكن عليه فعل المزيد، وبشكل أسرع"، فعباراته جاءت عامة غير حاسمة، فطالب قطر بالاستجابة لمطالب جيرانها دون أنْ يُحدّدها، وطالب الدول الأربع المُناهضة لقطر بتخفيض سقف مطالبها دون تسميتها، بل إنّه اعتبر مطالبها (غير منطقية وغير قابلة للتنفيذ)، وكانت النتيجة الطبيعية لهذه الرخاوة الأمريكية في العمل السياسي مع تلك الدول هي عدم استجابة قطر لأيٍ من مطالب الدول الأربع، وتمسك الدول الأربع بمطالبها ورفع شعار (لا تنازل عن المطالب الـ 13).
أدركت قيادة دولة الإمارت التابعة لبريطانيا نوايا هذه السياسة الأمريكية المائعة، وأنْ لا نهاية سريعة لهذا النزاع، فقال أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية: "لن تكون هناك نهاية سريعة للخلاف بين قطر والدول العربية الأربع التي تقاطعها"، وأضاف: "نحن متجهون إلى قطيعةٍ ستطول، الحقيقة أننا بعيدون كل البعد عن الحل السياسي المرتبط بتغيير قطر لتوجهها، وفي ظل ذلك لن يتغير شيء، وعلينا البحث عن نسق مختلف من العلاقات".
لم تُقدّم قطر أي تنازلات للدول الأربع، وإنّما قدّمت تنازلات كبيرة لأمريكا لتُخفّف عنها العقوبات، ولِتُقلّل من وقع الحصار الصارم عليها، فبالإضافة إلى شرائها لطائرات الإف 15 بأحد عشر مليار دولار، ومُساهمتها بتمويل عدة مشاريع أمريكية بمليارات أخرى من الدولارات، فقد وقّعت على مذكرة تفاهم مع أمريكا بشأن ما يُسمّى بتعزيز مُكافحة تمويل (الإرهاب)، وقّعها تيلرسون نفسه مع نظيره القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وكان من الطبيعي وعلى ضوء عدم وجود ضغط، وعدم وجود وساطة حقيقية أنْ تعتبر هذه الدول الأربع أنّ هذه الخطوة: "غير كافية لتبديد مخاوفها"، وأكّد المسؤولون فيها على إبقاء فرض العقوبات على قطر حتى تلبي مطالبهم الـ 13، والتي من أهمّها إغلاق شبكة الجزيرة الإخبارية، وتقليص العلاقات مع إيران، وإغلاق القاعدة العسكرية التركية في الدوحة.
فالإدارة الأمريكية إذاً هي من صنع الأزمة وهي ليست معنية بحلّها، بل ظاهر عليها أنّها راغبة في إطالة أمدها، لتبقى الأمور في منطقة الخليج بيدها، تتحكم بها كما يحلو لها، فهي ليست مُهتمة إلاّ بما يؤثر على مصالحها، ومن أهم مصالحهااستمرار وجود قواعدها العسكرية، وانصياع جميع دول المنطقة لرغباتها، واستنزاف ثرواتها لتصب في خزينتها، وقد أكّد القادة العسكريون الأمريكيون أكثر من مرّة أنّ الأزمة الخليجية لم تؤثر على سير العمليات العسكرية الأمريكية المنطلقة من قطر، وهو ما يهم الإدارة الأمريكية بالدرجة الأولى.
أرادت أمريكا من خلال فرض ذلك الحصار الخانق على قطر بسط هيمنتها على دول الخليج التابعة لبريطانيا، وبشكل خاص على إمارة قطر التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى خلية نحل نشطة للتشويش على السياسات الأمريكية من خلال قناة الجزيرة، وفضحها، وكشف مراميها، وكذلك من خلال الدعم المالي والسياسي للمُناوئين للسياسات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
أمّا بريطانيا فاضطرت للانحناء أمام تلك العاصفة الأمريكية، فاستعانت من جهة بألمانيا وفرنسا للقيام بدور الوساطة المُخفّفة للتصعيد الذي يُمارسه عملاء أمريكا لا سيما السعودية، ومن جهةٍ أخرى قامت بإرسال وزير خارجيتها بوريس جونسون للقيام بدور سياسي مُوازٍ لدور تيلرسون، وأشركت معه مستشار الأمن القومي البريطاني مارك سيدويل الذي قام بالدور الدبلوماسي الأفعل إلى جانب دور تيلرسون في الكويت، وكان للاجتماع الثلاثي الذي جمع سيدويل وتيلرسون مع وزير الخارجية الكويتي صباح خالد الحمد الصباح في الكويت أبلغ الأثر في تخفيف الاحتقان الذي بلغ حداً غير مسبوق قبيل الاجتماع، وكانت نتيجته إرسال دعوة أمريكية بريطانية كويتية مُشتركة إلى الدول المُتخاصمة للتهدئة وعدم التصعيد.
وهكذا تبيّن للمُتابعين في الشأن السياسي أنّ هذا النزاع ما هو إلا صناعة أمريكية، وأنّ الأطراف الرئيسية المُتنازعة فيه تتبع لأمريكا وبريطانيا، وأنّ أمريكا أخذت فيه دوراً هجومياً من خلال السعودية بشكلٍ خاص، وأنّ قطر تابعة بريطانيا خضعت لأمريكا وقدّمت لها الأموال، كما قبلت بتوقيع مذكرة تفاهم أمنية مع الإدارة الأمريكية تتدخل أمريكا من خلالها بأخص الشؤون القطرية.
لكن وبعد كل ذلك الخضوع القطري للابتزازات الأمريكية، وللتأكيد على استمرار ولاء قطر لبريطانيا وعدم سقوطها تحت براثن النفوذ الأمريكي، قامت بريطانيا بإجراء مناورة عسكرية ليوم الجمعة، 14 تموز/يوليو، أجرت فيها القوات البحرية الأميرية القطرية والقوات البحرية البريطانية تدريبات عسكرية في المياه الإقليمية القطرية وواضح أنّ هدفها هو القيام بكل ما يجب القيام به للدفاع عن سيادة الدولة القطرية في حال تعرّضت فيه لأي هجوم من قبل أعدائها، وذلك بالرغم مما قيل عنها أنّه كان مخطط لها قبل اندلاع الأزمة.
وهكذا تتلاعب أمريكا وبريطانيا بحكام دول الخليج، فتستنزف طاقات هذه الدول، وتُهدر ثرواتها، وتُبقيها دولاً تابعةً لا تتحرّك إلا بتوجيهات خارجية، ولا تخدم في تحرّكاتها إلا أهداف من يُحرّكها.
إنّ دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة القادمة قريباً بإذن الله تعالى هي وحدها التي تملك القدرة على إنهاء هذه السيطرة الغربية الاستعمارية المُطلقة على دول الخليج، وهي المؤهلة للتصدي لمؤامرات جميع الدول الطامعة في كل بلاد المسلمين.

السبت، 15 يوليو، 2017

نظام السيسي يتامر مع الصين ضد مسلمي تركستان الشرقية




حسن نصر الله مُتخصّص في تضليل العامة


حسن نصر الله مُتخصّص في تضليل العامة




الخبر:

 قال حسن نصر الله زعيم حزب إيران في لبنان في كلمة تلفزيونية يوم الثلاثاء في 2017/7/12: "إنّ تحرير الموصل وما يجري في العراق لا يرتبط فقط بمصير العراق وشعبه وإنما يرتبط بمصير دول المنطقة وشعوبها"، واعتبر أنّ: "فتوى المرجعية الدينية فيالعراق وعلى رأسها المرجع الديني علي السيستاني بوجوب الدفاع ومواجهة (داعش) كانت المفصل الحاسم"، وأشاد: "بقوات الحشد الشعبي التي تشكّلت من متطوعين وساهمت بشكل فعال في المعركة"، وذكّر نصر الله بأن الأمريكيين قالوا إن الحرب على التنظيم ستستغرق عقودا ولكنّ واشنطن: "انضمت متأخرة لتكون شريكة في النصر الذي بدأت ملامحه تظهر من زنود العراقيين وتضحيات العراقيين ودماء العراقيين وصمود وثبات العراقيين".

التعليق:

امتدح حسن نصر الله في كلمته المتلفزة مفتي الاحتلال الأمريكي للعراق علي السيستاني، وأرجع إليه الفضل في ما أسماه بالنصر الذي تحقّق في العراق الذي تمثّل بالسيطرة على مدينة الموصل، واعترف بكل صراحةٍ بأنّ الأمريكان كانوا شركاء مع العراقيين في ذلك النصر، وإنْ كانوا قد انضموا إليه متأخرين، بينما زعم أنّ الذي ساهم بالدرجة الأولى بذلك النصر المزعوم هم العراقيون فقط، وخصّ منهم بالذكر ما يُسمّى بالحشد الشعبي.

ألا يعلم حسن نصر الله أنّ السيستاني هو الذي أفتى بحرمة قتال الأمريكان في العراق، وأنّه بفتواه تلك قد سهّل لأمريكا احتلال العراق، وما نتج عنه من تمكين عملائها من السيطرة على مقاليد الأمور فيه، وما تمخّض عنها من تخريب البلاد وإهلاك الحرث والنسل ليس في العراق وحسب بل في المنطقة كلها؟

ألا يعلم نصر الله أنّ الأمريكان هم من قادوا معركة الاستيلاء على مدينة الموصل بخططهم وطائراتهم وتعليماتهم ومستشاريهم؟ وأنّ جيش حكومة العبادي ومرتزقة الحشد الشعبي ما هما سوى أدوات رخيصة بيد الأمريكيين؟

ألا يعلم نصر الله أنّ أولياء نعمته في إيران كانوا يُنسّقون مع الأمريكيين في كافة المواضيع الأمنية والعسكرية المُتعلقة بكل الشؤون العراقية منذ أيام الاحتلال وحتى اقتحام مدينة الموصل؟

أم أنّه يُريد إيهام سواد الناس في المنطقة أنّ الأمريكان هم من السذاجة بمكان بحيث يقومون بكل ما يقومون فيه في العراق من أجل عيون العبادي وقاسم سليماني؟

إنّ مجرّد اعترافه بأنّ أمريكا قد انضمت مُتأخرة إلى ركب (المُنتصرين الذين حرّروا الموصل من أيدي تنظيم الدولة) يُثبت حقيقة أنّ أمريكا وإيران وحكومة العبادي وحشدها الشعبي يسيرون في نفس الركب، ويتفقون على نفس الأهداف، ويشتركون في نفس الخطط، ويتآمرون على العراق وأهله، وعلى الأمّة الإسلامية وشعوبها.

فأي نصرٍ هذا الذي تحقّق بدخول مدينة الموصل بدعم أمريكي؟ وهل قتل آلاف المدنيين وتشريد مئات الآلاف من مدينة الموصل وتحويلها إلى ركامٍ ورماد هو نصر أم هو كارثة من أكبر كوارث العصر؟

إنّ اعتبار ذلك نصراً هو نوع من التضليل، بل هو التضليل بعينه، وهو التدجيل في أكذب صوره.

لقد وضع حسن نصر الله نفسه ومؤيديه من خلال هذه التصريحات المُشينة في خانة أعداء الأمّة بكل وضوح، واصطفّ في طابور الاحتلال الأمريكي، والتحق بقائمة أعداء الأمّة، ومارس الخداع السياسي بأخبث صوره على أتباعه من العوام الذين خدّرهم طوال الوقت بكلامه المسموم.

الخميس، 6 يوليو، 2017

خريطة القوى السياسية في ليبيا


خريطة القوى السياسية في ليبيا







إنّ الأوضاع السياسية والعسكرية في ليبيا تعكس حالة فوضى سياسية عارمة، فالقوى المحلية التابعة لأمريكا وأوروبا تتصارع لزيادة نفوذها على الأرض، وللحصول على مكاسب جديدة، وهناك ثلاث قوى سياسية رئيسية في ليبيا وهي: أولاً: حكومة الوفاق الوطني وهي الحكومة المعترف بها دوليا، ويرأسها فايز السراج وهو ذو توجه قومي وطني، تشكلت حكومته في شباط/فبراير عام 2016 بموجب اتفاق مدينة الصخيرات في المغرب المُوقّع في 17 كانون الأول/ديسمبر عام 2015 والذي رعته بريطانيا والدول الأوروبية، وتحوّل إلى اتفاق دولي رعته الأمم المتحدة، وقبلت به أمريكا بحكم الأمر الواقع، ووجد ما سُمّي بالمجلس الرئاسي الليبي الذي انبثقت عنه حكومة السراج. ثانيا: حكومة طبرق انبثقت حكومة طبرق عن برلمان طبرق وهو البرلمان الأخير المنتخب في ليبيا، ومقرّها بمدينة البيضاء شرقي ليبيا، ويترأسها عبد الله الثني، وقد اختار الثني الاستناد إلى قوة خليفة حفتر المدعومة من أمريكا، ومن خلال عميلها السيسي، والتي استند إليها حفتر لأخذ شرعيته. وبالرغم من أنّ حكومة الثني دعمت حكومة الوفاق إلا أنّها عادت واتفقت مع حكومة الإنقاذ في تشرين الأول/أكتوبر 2016 على تشكيل حكومة وحدة وطنية، تكون بديلاً عن حكومة الوفاق. ثالثاً: حكومة الإنقاذ وهي حكومة سبقت حكومة الوفاق الوطني زمانياً، وقد انبثقت عن المؤتمر الوطني العام الليبي في آب/أغسطس 2014، ومقرها في العاصمة طرابلس الغرب، ويترأسها خليفة الغويل، ورعتها بريطانيا والدول الأوروبية، إلاّ أنّها خسرت في الانتخابات، ولم تعد تحظى بأي اعتراف دولي. سيطرت حكومة الإنقاذ على أجزاء واسعة من غرب وجنوب ليبيا نهاية 2014 وبداية 2016، ودُعمت من قبل مجموعات إسلامية كمجلس شورى ثوار بنغازي الذين قاتلوا خليفة حفتر بشراسة. وكانت قد أعلنت حكومة الإنقاذ في 5 نيسان/أبريل 2016 عن مغادرة السلطة، وفسحت المجال لحكومة الوفاق الوطني لتسلم الحكم بعد أقل من أسبوع من دخولها البلاد، غير أنّها تراجعت عن دعم السرّاج، وسيطرت يوم 14 تشرين الأول/أكتوبر 2016 على مقار المجلس الأعلى للدولة في العاصمة طرابلس، بالتعاون مع جهاز الأمن الرئاسي المكلف بحماية المجمع الرئاسي، وأعلن خليفة الغويل رئيس حكومة الإنقاذ أنّ حكومته هي الحكومة الشرعية المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام، ووجّه دعوة مباشرة إلى عبد الله الثني رئيس حكومة طبرق المؤقتة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية ومن دون وساطة أجنبية، وهكذا عادت حكومة الإنقاذ مرّةً ثانية إلى الواجهة السياسية. وتلعب مليشيات عديدة دورًا مهمّاً في تثبيت حكومتي السراج والإنقاذ ومن أهمها كتائب مصراتة، وكتائب تيار الإسلام السياسي، فيما تعتمد قوات حفتر على بقايا الجيش الليبي المدعوم من مصر والإمارات في الشرق الليبي، بالإضافة إلى كتائب الزنتان التي تُناصره في الغرب. وحالة الاضطراب السياسي والعسكري التي تشهدها ليبيا تعود إلى كون أمريكا تُحاول من خلال حفتر السيطرة على ليبيا لتكون قاعدة ارتكاز لها في ليبيا، لذلك قامت بأعمال سياسية عديدة إلى جانب التوسع العسكري الذي قام به حفتر من خلال قيام قواته بالسيطرة على منطقة الهلال النفطي في 12 أيلول/سبتمبر 2016، التي تشمل مينائي السدرة ورأس لانوف، ثم ميناء الزويتينة، لتحكم بذلك سيطرتها على كامل الهلال النفطي. أمّا الأعمال السياسية التي قامت بها أمريكا وأربكت بها عمل الأوروبيين فتمثلت في محاولات عقد مصالحات بين حفتر في الشرق، ومعه عقيلة صالح رئيس مجلس نواب طبرق، وفايز السرّاج رئيس حكومة الوفاق في الغرب. وكذلك إقحام أمريكا لروسيا في حراكها السياسي، ومن ذلك زيارة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح لموسكو، وحديثه عن وجود تفهم روسي للأوضاع في ليبيا، ومن قبل زيارة سفن حربية روسية للموانئ الليبية واجتماع بحارتها بحفتر. وبالرغم من فشل تلك المصالحات إلا أنها أوجدت حراكًا سياسيًّا فاعلا، استخدمت به أمريكا المخابرات والحكومة المصرية، وأحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، وظهر من خلاله إصرار أمريكا على أن يكون حفتر موجوداً في أي اتفاق سياسي مستقبلي، وأنْ يكون هو المسؤول عن الملف الأمني والعسكري في أي حكومة قادمة، أو إنّ البديل بالنسبة لها هو استمرار حالة الحرب مهما طال وقتها، وهذا الحراك السياسي الأمريكي قد أضعف كثيرًا السراج والقيادات التابعة لبريطانيا وأوروبا في الغرب الليبي، ممّا دفعها لإيجاد حراك سياسي موازٍ من خلال الجزائر، حيث مثّلت زيارة حفتر المفاجئة إلى الجزائر أبرز الشواهد على حدوث حراك إقليمي بدفع بريطاني وأوروبي أكثر واقعية في التعامل مع الأزمة الليبية، وقال مصدر حكومي جزائري إن: "الخيار الوحيد الباقي في ليبيا هو الحل السياسي القائم على الحوار الشامل بين الليبيين والمصالحة الوطنية وهو ما تسعى إليه الجزائر مع جميع أطراف الأزمة الليبية"، وبذلك تكون بريطانيا قد استوعبت الهجمة السياسية الأمريكية، وانحنت أمام عاصفتها. لقد تعاملت بريطانيا بمرونة سياسية واضحة إزاء هذا الحراك الأمريكي، فهي لم تعد تُصر على الالتزام باتفاق الصخيرات بحذافيره كما كانت تفعل من قبل، فقد أبدى السفير البريطاني لدى ليبيا بيتر ميليت إحباطه من وتيرة حركة المصالحة في ليبيا وقال بأنّ "الاتفاقية ليست نصًا مقدسًا وهناك مجال لمراجعتها إذا اتفق الليبيون على الذهاب في هذا الاتجاه"، وكذلك فعل المبعوث الأممي المُنتهية ولايته مارتن كوبلر والذي أعلن عن إمكانية تعديل بنود اتفاق الصخيرات. لقد عكست هذه التحركات السياسية الأمريكية والبريطانية ومعها الدول الأوروبية كإيطاليا التي تستورد من ليبيا ما يقارب 80% من احتياجاتها من الطاقة، لقد عكست هذه التحركات مدى حدة الصراع بين مختلف الأطراف والقوى السياسية والعسكرية العاملة على الساحة الداخلية الليبية حيث يحاول كل طرف جاهدًا بسط نفوذه، وتغيير معادلات القوة بما يخدم مصالحه، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام احتمال انهيار كل الاتفاقيات السابقة والعودة بالأمور إلى نقطة الصفر. وفي خضم هذه الوقائع يأتي اختيار مبعوث أممي جديد إلى ليبيا إذ وافق مجلس الأمن الدولي في 27/6/2017 وبعد جهدٍ جهيد على تعيين وزير الثقافة اللبناني السابق غسان سلامة خلفًا لمارتن كوبلر المُنتهية ولايته، ولينهي بذلك خلافًا بين القوى الكبرى المُتصارعة على تعيين مبعوث لليبيا دام أربعة أشهر، وغسان سلامة هذا درس القانون الدولي في جامعة باريس، وهو عميد معهد باريس للشؤون الدولية، وأستاذ العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس وفي جامعة كولومبيا بنيويورك، وهو بهذه الخلفية يبدو أنّه ذو ميولٍ فرنسية، لكنّه مع ذلك خدم أمريكا في العراق بعد الغزو الأمريكي في العام 2003 وساهم في إنشاء مجلس الحكم الانتقالي في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، وبهذه الخلفية يبدو أنّه كان أفضل المرشحين قبولاً لدى الطرفين الفاعلين على الساحة الليبية وهما الأمريكان والأوروبيون. وهكذا تبقى خريطة القوى السياسية في ليبيا في حالة تعادل بين القوى الاستعمارية، وتبقى ليبيا في حالة خراب إلى أنْ يأذن الله سبحانه وتعالى بقيام دولة الإسلام، الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تقضي على كل هذا النفوذ الاستعماري.