الأربعاء، 20 يناير 2021

تمكين الاسلام في الارض لا يكون الا باقامة الخلافة

تمكين الاسلام في الارض لا يكون الا باقامة الخلافة

تمكين الإسلام في الأرض يعني إقامة أحكامه وتطبيق أنظمته واتباع شريعته ونشر رسالته في الآفاق، ولا يتأتى ذلك كله إلا من خلال الدولة والحكم والسلطان، والتمكين له جانبان: جانب يتعلق بالحكم والقضاء وهو الدولة، وجانب يتعلق بالمكان الذي تُطبّق فيه الأحكام، وهو الدار، والنصوص الشرعية تتضافر في بيان ذلك؛
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾، ففي هذه النصوص واضح أنّ التمكين مقترن مع الأرض اقتراناً كاملاً، فالعلاقة بين التمكين والأرض حتمية وعضوية، والاقتران بينهما دائم.
والتمكين في الأرض هو وعد من الله للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فالاستخلاف في الأرض هو تمكين للموعودين بإقامة الدين إذا أخذوا بالأسباب.
 ويُعرّف القرطبي التمكين في تفسيره بــ"أن يأمن المسلمون ويرثوا الأرض والديار والأموال ويبدل حالهم فيصبحوا قاهرين بعد أن كانوا مقهورين، وطالبين بعد أن كانوا مطلوبين، وأن يؤمنهم ويملكهم ويمكنهم في الأرض".
وأمّا ابن كثير فيُعرّف التمكين بــ"وعد من الله لرسوله بأنّه سيجعل أمّته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تفلح البلاد وتخضع لهم العباد".
وأسباب التمكين هي شروطه، فلا يوجد التمكين بدون شروطه، والشروط هي مُرتكزات العمل، والمُرتكزات تؤخذ من طريقة الرسول ﷺ في إقامة الدولة، وهي ستة مُرتكزات؛ ثلاثة منها قبل قيام الدولة وثلاثة بعدها.
أمّا الثلاثة التي قبل الدولة فهي:
1- حمل الدعوة من خلال الكتلة (الحزب) كما فعل الرسول ﷺ في مكة المكرمة حيث كوّن كتلة من الصحابة حمل بهم ومعهم الدعوة.
2- التفاعل مع الناس فكرياً ومكافحة الحكام سياسياً، أي تحميل الناس الدعوة وصهرهم بأفكارها، وإيجاد الرأي العام عن الدعوة بينهم، كما فعل الرسول ﷺ في مكة والمدينة وجزيرة العرب حيث حمل مع صحابته الدعوة للناس وأحدث تفاعلاً فكرياً وعقائدياً معهم، وكافح سادتهم وأشرافهم سياسياً، وأوجد الرأي العام على الإسلام بينهم، ممّا أثّر فيهم، ومن ثمّ تمكّن من القيام بالعملية الصهرية في بعض تجمعاتهم، كما حصل مع مصعب بن عمير رضي الله عنه في المدينة.
3- الاتصال بأهل القوة والمنعة لدعوتهم للإسلام وطلب النصرة منهم من أجل حماية الدعوة وإقامة الدولة، كما فعل عليه الصلاة والسلام مع القبائل، وهو ما أثمر بعد عمل دؤوب وجهدٍ مُتواصل إلى أخذ البيعة من الأنصار والهجرة إلى المدينة وإقامة الدولة فيها.
هذه هي مُرتكزات العمل الثلاثة للتمكين في الأرض، وهي نفسها شروط الوصول إلى هدف التمكين هذا، وهي عينها الطريقة التي سار بها الرسول ﷺ لإقامة الدولة في المدينة وتحويلها إلى دار إسلام.
فإذا ما بلغت الكتلة هذا الهدف، ونجحت في إيصال الإسلام إلى الحكم، وأقيمت الدولة، فهناك ثلاثة مُرتكزات أخرى يتعيّن تحقيقها وهي:
1- تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية تطبيقاً فورياً وانقلابياً شاملاً من غير تدرج ولا تراخٍ، وهذا ما فعله الرسول ﷺ، وما فعله الصحابة من بعده.
2- حمل دعوة الإسلام إلى العالم عن طريق الدعوة والجهاد، وهذا ما تمّ بالفعل، ففتحت بلاد فارس والروم وما جاورها، وتحوّلت إلى دار إسلام في فترة قصيرة.
3- الاستمرار بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأدلة ذلك في الكتاب والسنة كثيرة كثرة تغني عن الطلب، منها قول الرسول ﷺ: «وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْراً، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْراً، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ».
وإذا اختل شرط من هذه الشروط تتداعى دولة الإسلام، وتتهيأ للسقوط، ثمّ تتلاشى من الوجود، وهو ما حصل مع الدولة العثمانية التي زالت واندثرت بعد فقدانها لهذه المُرتكزات.
هذا باختصار هو مفهوم التمكين المأخوذ من النصوص الشرعية، ومن سيرة المصطفى ﷺ، وهذه هي أدلته وشروطه ومُرتكزاته، وهو يدل بشكلٍ قاطع على أنّه لا تمكين من دون دولة، ولا دولة من دون فكرة وكتلة وتفاعل ونصرة، ولا استمرار لوجود الدولة من دون تطبيق كامل للإسلام وحمله للعالم بالدعوة والجهاد واستمرار بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والدولة الإسلامية هي الخلافة، فالرسول ﷺ وصفها بذلك عندما قال: «سَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ»، وأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على تنصيب خليفة للمسلمين ومبايعته في زمن الإجماع، والخلافة لا توجد إلا بوجود دار الإسلام، لأنّ تطبيق الخلافة لأحكام الإسلام وأنظمته في أرضٍ مُعيّنة يُحيلها إلى دار إسلام.
ومن هنا كان التمكين مُفضياً لوجود الخلافة وإيجاد دار الإسلام، ولا يُمكن الفصل بينهما بحال، ولا معنى للعمل للإسلام من دون العمل لإقامة الخلافة، وكل حركة أو جماعة تدعو للإسلام ولا تتطرق لإقامة الخلافة أو إيجاد دار الإسلام فعملها ناقص وغير مُبرئ للذمة.
فمفهوم الدولة لدى المسلم اليوم ينبغي أن يكون واضحاً جليّاً لا لبس فيه، وحاجة المسلمين اليوم للخلافة كحاجتهم للماء والهواء، فهي فريضة شرعية وضرورة عقلية، والعمل التكتلي في الأمة هو نقطة البدء وجسر الانطلاق للوصول إلى غايتها.

الخميس، 7 يناير 2021

حصاد عشر سنوات للثورات العربية

 

حصاد عشر سنوات للثورات العربية
مع مرور عشر سنوات مُضنية على اندلاع الثورات العربية يجد المتابع الحريص لأحداثها نفسه وكأنّه مُلزماً على القيام بتقييم موضوعي للنتائج الضبابية لهذه الثورات، ولإمكانية الحصول على نتائج إيجابية مرجوة يمكن البناء عليها، وتطويرها بكافة السبل لإحداث التغيير المطلوب منها.
إنّه وإن كانت النتائج الظاهرية لتجربة العقد الأخير من هذه الثورات تبدو هزيلة بفعل الثورات المضادة، إلا أنّها قد زرعت بذرة العمل للتغيير الجاد، فالجماهير العربية وبفعل تلك الثورات لا شك أنّها اكتسبت خبرات جديدة، وأصبحت تنتظر الفرصة المواتية للانقضاض على الحكام، مُتجاوزة تلك الأخطاء القاتلة التي وقعت بها، وأهمها تغييب المشروع الإسلامي، والركون إلى بعض الأنظمة التي كان يُظنُّ بها خيراً.
ولو استعرضنا ما آلت إليه الأوضاع السياسية في الدول العربية التي نشبت فيها الثورات لوجدناها بلا شك مُخيّبة للآمال؛ ففي تونس مُبتدأ هذه الثورات ومُلهمتها، نجد أوضاعها السياسية قاتمة جداً، فهذا رئيسها قيس سعيّد يتعامل مع السياسة وكأنّها مُجرد أداء أكاديمي يفتقر إلى الإجراءات السياسية الفاعلة، فيُلقي الخطابات الجوفاء، ويُركّز على الجوانب البروتوكولية، ويتجنب الخوض في العمل السياسي الحقيقي، تاركاً للحكومات التونسية الفاشلة العاجزة ذلك العمل الخطير، ونتائج تلك الممارسات البهلوانية تنحصر في لعبة تغيير الحكومات التي لا تملك سلطة اتخاذ القرارات السياسية الجريئة، فتتحول أعمالها السياسية إلى ما يشبه الأعمال الإدارية التصريفية، فيما يُسمح للبرلمان التونسي بممارسة لعبة مملة تُظهر صراعاً للشعارات تنحصر في عموميات الميل نحو الدكتاتورية أو الديمقراطية، بينما يرزح الاقتصاد التونسي تحت وطأة الانكماش وانعدام الإنتاج مع بطالة تزيد عن 18%، فيما يستمر الرئيس بأداء الخطابات الكلامية بوصفه ظاهرة صوتية لا تعكس أي عمل سياسي حقيقي على الأرض، وأمّا إن قام بعمل محسوس فتجده يقوم بأسوأ الأعمال السياسية على الإطلاق، كزيارته لباريس في أسوأ توقيت، فيلتقط الصور مع زعيم حاقد على الإسلام ينفث سمومه جهاراً نهاراً ضد رسولنا الكريم ﷺ.
وفي اليمن تبدو الحرب فيها وكأنّها قدر لا نهاية له، والانقسامات بين الشمال والجنوب تُكرّس الانفصال الدائم، وأمّا الانقسامات بين الجنوبيين أنفسهم فهي شبه دائمة، تُغذيها دوائر الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، وتُنفذها السعودية والإمارات، وفيما يتوافق الساسة في الدولتين مؤخراً على تشكيل حكومة محاصصة للجنوب بلا فاعلية لها، تستمر المعاناة الحقيقية بين اليمنيين، ويغرق 80% من السكان في حالة من المجاعة والفقر المدقع وشظف العيش.
وفي سوريا يُكمل التدخل التركي أهدافه بإخلاء نقاطه العسكرية نقطة بعد نقطة وتسليمها لنظام بشار المجرم، ويستمر مع هذا الإخلاء النكث بالوعود التي كانت تُطلقها تركيا مثل شعار: يجب إرجاع الأسد إلى ما بعد مورك، وغيرها من الوعود الكاذبة، بينما تُمكّن روسيا من السيطرة على الشريط الساحلي، وتُمكّن أمريكا من السيطرة على نفط شرق سوريا، فيما تستمر نكبة السوريين وتشريدهم في المخيمات والأمصار، وإنهاكهم وتصفية ثورتهم، وتسليمها للفصائل المشبوهة.
وفي السودان الذي قام حكامه العملاء بالتطبيع مع كيان يهود مُقابل رفع اسم السودان عن قائمة الدول الراعية (للإرهاب)، يتم تمكين حكامه من العسكر مثل البرهان وحميدتي من السيطرة على القرار السياسي وحرمان المدنيين المنافسين من التفرد بأي قرار دون الرجوع إلى العسكر، وذلك من خلال تشكيل ما يُسمّى بمجلس شركاء الفترة الانتقالية، وذلك لإبعاد تأثير الحراك الجماهيري، ولتحجيم دور عملاء بريطانيا في الحكومة، ثمّ تلقي أمريكا لعملائها بالفتات مثل منح السودان منحة بقيمة 20 مليون دولار لشراء القمح، بينما تستمر الأوضاع الاقتصادية للسكان بالتدهور، مع بطالة تزيد عن 13%، فيما يستمر إقحام السودان بمشاكل سياسية جديدة مع إثيوبيا التي احتلت مليشياتها أراضي سودانية حدودية، والتي قد تُهيئ للدخول في حرب جديدة ربما تطول.
وفي ليبيا فإنّ الصراع المحتدم بين القوى الاستعمارية الأمريكية والأوروبية يكاد يُكرّس تقسيم النفوذ في ليبيا بشكلٍ دائم إلى شرق برقة وغرب طرابلس يُمثّله حفتر والسرّاج، فيما يُضاف فيه إلى اللاعبين الأصليين وهما أمريكا وأوروبا لاعبون جدد وبالذات روسيا وتركيا، فتزداد تعقيدات الصراع، وتوضع الخطوط الحمراء الفاصلة، بينما يستمر رجال السياسة والإعلام المحليون في النقاش بلا طائل حول مواضيع سقيمة تدور حول الانحياز للعسكر أو للديمقراطية، ويُستبعد الإسلام من الساحة بحجة أنّ الإسلام هو الحرية.
وأما مصر فيستمر السيسي فيها مدعوماً من المخابرات الأمريكية بتشديد قبضته على أهل مصر، وكتم أنفاسهم، والانحياز السافر لكل أعدائهم، وذلك بافتعال معارك وهمية مع الإسلاميين، وفي الوقت نفسه يقوم بالعمل على بناء دولة قوية في مصر للعسكر، يتوهم أنّها ستحصّنه من غضب الجماهير وثورتهم في قابل الأيام، ولكنّها بالتأكيد لن تكون سوى بيت واهن كبيت العنكبوت.
إنّ هذه النتائج السياسية للثورات العربية في هذه البلدان التي اندلعت فيها الثورات تبدو في ظاهرها وكأنّها أعادت الشعوب إلى المربع الأول، وأعادتها في عملية التغيير إلى ما دون الصفر، لكن هذه الدول ما زالت تتلمس الرماد الذي بدأت حرارته يُستشعر بها من تحت الأقدام، فعاصفة التغيير الجديدة قادمة لا محالة، وفشل الأنظمة الظاهر في مُعالجة أوضاع الناس السياسية ما هو إلا الوقود الجاهز لتفجير ثورات جديدة، والتي ستكون هذه المرة على أساس مبدأ الإسلام القويم، والمتمثل بمشروعه العظيم ألا وهو الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وعد ربنا سبحانه