الجمعة، 27 أغسطس 2021

الثورات لا تملك الديمومة ولا النجاح الا بمحركات اسلامية

الثورات لا تملك الديمومة ولا النجاح الا بمحركات اسلامية


إنّ تجربة العشر سنين الماضية من الثورات العربية أكدت على حقيقة أن الثورات في البلدان الاسلامية لا تملك الديمومة ولا القدرة على الاستمرار والثبات إلا إذا زُوّدت بمحركات إسلامية، فنجاحها وانتصارها مشروط بوجود مثل هذه المحركات، فلا تكفي دوافع الغضب والسخط لدى الشعوب لاستمرارية الثورات، بل لا بُدّ لها من قاعدة فكرية إسلامية صلبة ترتكز عليها، ولا بُدّ لها من محركات إسلامية قوية تمدها بالوقود الثوري الدائم لكي تستمر في الحركة الجماهيرية، والاندفاع الشعبي لأطول مدة زمنية.

فالزخم الشعبي العفوي لا يعيش طويلاً من دون محركات فكرية عقائدية، أو مشاعر روحية إيمانية، والاكتفاء بأحاسيس الظلم والقهر الغريزي لا يكفي لإشعال الثورة لمدة طويلة، وأمّا الدوافع الوطنية والقبلية والقومية الموجودة غريزياً عند الناس فهي مجرد أدوات دفاعية مؤقتة، وتفتقر إلى الفكر المُوجه، والقيادة القادرة على التأثير، لذلك فهذه الأدوات تتأثر بكل ما يكتنفها من أفكار، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى التحاقها بتيارات فكرية مُتباينة يستخدمها أعداء الثورة بسهولة، وتكون نتيجتها المحتومة بروز التناقض والميوعة فيها، ومن ثم ينتهي المطاف بها إلى التشرذم والاندثار.

لقد تغلبت المحركات الإسلامية في بداية اندلاع الثورات العربية على سائر المحركات الأخرى، فلم يكن لها منافس، وتمكنت من الإطاحة برؤوس الطواغيت بسهولة ويسر ابتداءً من زين العابدين بن علي، ومروراً بحسني مبارك ومعمر القذافي وعلي عبد الله صالح، وانتهاءً بعبد العزيز بوتفليقة وعمر حسن البشير.

لكن قلة من العلمانيين الذين لا وزن لهم ولا قيمة تمكنوا من التأثير على بعض الجماعات والفصائل الإسلامية، فطالبوها بالمشاركة معها في الثورة، وفي الحكم، تحت شعارات الديمقراطية والوطنية، فقبلت هذه الجماعات والفصائل بفكرة المشاركة بغباء تحت شعار الديمقراطية والوحدة الوطنية، فكانت النتيجة كارثية مدمرة للثورات ومجهضة لها.

فالانخداع بالتجربة الديمقراطية جعل الأكثرية الإسلامية المشاركة في الثورات ألعوبة بأيدي القلة العلمانية، وجعلها تقدم التنازلات المتتالية حتى انتهى بها المطاف إلى خروجها تماماً من اللعبة الديمقراطية، وبقاء العلمانيين بمفردهم فيها، فقاموا بذلك بالمهمة المرسومة لهم، وسلموا الحكم للطواغيت بعد إنهاء الثورات التي شاركوا فيها في البداية كعناصر هامشية، وهو ما أدى في النهاية إلى عودة الحكم لطغاة أكثر طغياناً من أسلافهم الذين أطيح بهم.

ففي تونس مهد الثورات العربية قدمت حركة النهضة كل التنازلات لشركائها من العلمانيين فلم ينفعها ما قدمته من تنازلات خطيرة لنيل مرضاتهم، فقبل الغنوشي بإبعاد الشريعة الإسلامية من بنود الدستور التونسي، وتخلى عن فكرة الدولة الإسلامية، وتحالف مع أعتى أعداء الإسلام كالباجي قائد السبسي، ودافع بشراسة عن الديمقراطية، فماذا كانت النتيجة؟ أطيح به وبديمقراطيته، ونجح شخص مغمور - قيس سعيد - وبجرة قلم من إلغاء كافة المؤسّسات الديمقراطية التي تغنّى بها الغنوشي وجماعته لمدة السنين العشر الفائتة.

وفي سوريا تحالفت الفصائل الإسلامية التابعة للإخوان المسلمين مع الفصائل العلمانية، وطالبت بالديمقراطية التعددية، فماذا كانت النتيجة؟ أزيلت تماماً من خارطة القوى السورية ولم نعد نسمع بأخبارها.

وأمّا جبهة النصرة فتنصلت أولاً من علاقتها مع تنظيم الدولة، ثمّ تنصلت ثانياً من علاقتها مع القاعدة، ثمّ تنصلت ثالثاً من مفهوم الجهاد إرضاءً للعلمانيين والغربيين، ولم تكتف بذلك بل غيّرت اسمها أيضاً، واشتغلت بجمع الأموال والضرائب والسيطرة على أرزاق العباد، فماذا كانت النتيجة؟ تحولت هيئة تحرير الشام - وهي جبهة النصرة سابقاً - إلى مجرد حرس حدود تحمي الدوريات الروسية وتمنع المجموعات المخلصة من مقاتلة النظام.

وفي ليبيا تعاونت الحركة الإسلامية مع العلمانيين العملاء الذين نصّبّهم الأوروبيون حكاماً في طرابلس بعد القذافي، والتزموا باتفاقات رسمتها بريطانيا وأوروبا مثل الصخيرات وبوزنيقة بالمغرب واتفاقات برلين وباريس وروما وجنيف والقائمة تطول، فماذا كانت النتيجة؟ خروج الإسلاميين ضعفاء من الثورة وإقحامهم في حروب أهلية لا تنتهي.

وفي مصر وصل الإخوان إلى مصر بفعل المحركات الإسلامية للثورة، لكنهم عندما تعاونوا مع العلمانيين وقدّموا لهم التنازلات سقطوا من الحكم سقوطاً مُدوياً.

وفي اليمن بلغ تأثير المحركات الإسلامية في بداية الثورة أنْ خرجت مظاهرات مليونية تطالب بعودة الخلافة الإسلامية، لكنّ تعاونهم مع الحكومات العميلة، ودخول الحوثيين على الخط أدّى إلى إجهاض الثورة اليمنية وتحويلها إلى حرب أهلية.

وفي السودان ابتعد غالبية الإسلاميين عن تصدر الثورة، ورضوا بتركها لليساريين العلمانيين الذين زعموا كذباً أنّ غالبية الإسلاميين هم من أنصار الطاغية المخلوع حسن البشير، ولكن للأسف انطلت عليهم الحيلة، ورضي الكثير منهم بترك الساحة لليساريين مختارين، بذريعة تجنب الفوضى وعدم سفك الدماء، فكان تنازلهم هذا سبباً في انتكاس الثورة، ومجيء حكام عملاء طبّعوا العلاقات مع كيان يهود.

وفي الجزائر اشترط بعض العلمانيين والوطنيين الذين لا انتماء فكري لهم اشترطوا إبعاد الإسلاميين من الحراك بحجة إبقاء الثورة خارج حدود التأطير الحزبي، وللأسف قبل غالبية الإسلاميين ذلك من أجل إنجاح الثورة، فماذا كانت النتيجة؟ ها هو النظام قد استطاع إعادة إنتاج نفسه بقالب جديد.

وفي مُقابل ذلك كله فإنّنا نجد أنّ النموذج الطالباني في أفغانستان قد استطاع أنْ يصمد أمام كل القوى الدولية والإقليمية العاتية، واستطاع أنْ يسيطر على معظم المناطق الأفغانية في فترة قليلة بعد انسحاب القوات الأمريكية، وسبب هذا النجاح يرجع إلى تمسك حركة طالبان بمحركاتها الإسلامية، وعدم تقديمها تنازلات كثيرة كما فعلت الحركات الإسلامية في بلدان الثورات العربية، لدرجة أنّ الرئيس الأمريكي جو بايدن قد اعترف بالهزيمة ضمناً في أفغانستان فقال: "أنفقنا على أفغانستان ألف مليار دولار في عشرين عاماً، وجهّزنا 300 ألف جندي أفغاني، وأنا لست نادماً على قرار الانسحاب من أفغانستان، وعلى الأفغان أنْ يُقاتلوا من أجل أنفسهم وأمّتهم".

هذه هي الأدلة العملية على أنّ الثورات لا تملك الديمومة والاستمرار والنجاح إلا بمحركات إسلامية صرفة، وأنّ التشارك أو التحالف مع العلمانيين ودعاة الديمقراطية يؤدي حتماً إلى فشل الثورات وتلاشيها.

الأربعاء، 11 أغسطس 2021

انقلاب تونس أثبت فشل خيار الديمقراطية التعددية في مواجهة الاستبداد

انقلاب تونس أثبت فشل خيار الديمقراطية التعددية في مواجهة الاستبداد

قام الرئيس التونسي قيس سعيّد وبتخطيط مُسبق بانقلابٍ خاطف وسريع، فأطاح بالمنظومة السياسية التونسية برمتها، والتي تشكلّت بعد الثورة على أنقاض نظام زين العابدين بن علي، وتتمثّل هذه المنظومة بالحكومة والبرلمان والادعاء العام، فجمع سعيّد السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية بيده، وأصبح هو الحاكم والقاضي والمشرع في آنٍ واحد، مُستنداً في عمله هذا إلى انحياز الجيش له، ومُعتمداً على تفسير المادة 80 من الدستور التونسي بما يُوافق هواه.
لقد قضى سعيّد بهذا الانقلاب السهل على آمال الذين ظنّوا أنّ الديمقراطية في تونس قد تجذرّت وترسخت بعد ثورة الياسمين، وأجهض سعيّد بانقلابه جهود عشر سنوات من العمل الديمقراطي الدؤوب داخل أروقة البرلمان، والذي كان أحد أهم ثمار هذا العمل المضني والذي يوصف بأنّه النتاج الحقيقي للثورات العربية التي تلاشت من جميع دول الربيع العربي ولم يتبق منها شيء ذو قيمة إلا في تونس، والتي باتت تُعرف برمز هذه الثورات وأيقونتها.
لكنّ هذه الأيقونة الجميلة - في نظرهم - قد سقطت هي الأخرى الآن، وتلاشى مع سقوطها خيار الديمقراطية التعدّدية الذي عوّلوا عليه كثيراً في تونس وفي الدول العربية، ففشل هذا الخيار في الصمود أمام مجرد رئيس مبتدئ قليل الخبرة، وبإسناد من بعض الضباط والعسكر ودعم من فرنسا أمّ الديمقراطية والحرية.
فأين هي إذاً القوى الديمقراطية في تونس؟ وأين هي شعبيتها؟ ولماذا لم ينزل الناس إلى الشوارع لدعمها؟
إنّ الشعب في تونس هو جزء من الأمّة الإسلامية فلا يؤمن إلا بالاسلام، وإنّ كل الجعجعات الديمقراطية منذ عشر سنوات في تونس لم تستطع تغيير قناعته بالإسلام العظيم، فالديمقراطية في نظر المسلم هي تماماً كالدكتاتورية لأنّها حكم بغير ما أنزل الله، والمسلم عندما تُعرض عليه المفاضلة بين الاستبداد والديمقراطية لا يفاضل ولا يقارن بينهما بمعزل عن الإسلام، فهما في نظره غير إسلاميين وهما بذلك سواء، فهذا نظام كفر وذاك نظام كفر.
لقد وقف الناس أمام هذا الانقلاب على الحياد، فلم يؤيدّوا قيس سعيّد كونه طاغية مستبداً تابعاً لفرنسا، ولم يؤيدوا الديمقراطية التعددية لأنّها ومنذ عشر سنوات لم تجلب لهم سوى الكوارث السياسية والاقتصادية والإنسانية، فجربّوا منذ سقوط بن علي تسع حكومات ديمقراطية لم تسفر إلا عن انهيار اقتصادي وعقم سياسي، فالبطالة بلغت 36% والانكماش في القطاع الصناعي بلغ 9%، ومات أكثر من عشرين ألف إنسان نتيجة الفساد في المرافق الصحية.
الرئيس ضعيف وانحاز لفرنسا كي يتقوى بها فلم تزده إلا ضعفا وبعدا عن شعبه، والحكومات المتعاقبة تابعة لبريطانيا وفاسدة، والبرلمان لا يجيد إلا الثرثرة والمُناكفات، والمنظومة السياسية برمتها هشة وفاسدة، لذلك وقف الناس موقف المتفرّج، فلم ينصروا فاسداً على فاسد.
زعم الرئيس سعيّد بأنّه سيحارب اللصوص والفاسدين فإذا به يحارب الشرفاء ويعتقل نواب ائتلاف الكرامة كمحمد العفاس لا لشيء إلا لأنّهم يهاجمون أسياده الفرنسيين، وادّعى بأنّه يقف مع الدستور، فإذا به يقوم بعرض مواد من الدستور الأمريكي ويدافع عنها ويشرحها باللغة الفرنسية، ولم يأت على ذكر دستور البلاد الذي انقلب عليه، ولم يعرضه باللغة العربية التي يتشدق بها في عرض تفاهاته السياسية.
وأمّا موقف رئيس البرلمان التونسي المحسوب على حركة النهضة (الإسلامية) راشد الغنوشي فبدا موقفه باهتاً هزيلا، إذ عرض مزيداً من التنازلات من أجل ما أسماه بعودة الديمقراطية، ودعا إلى الحوار الوطني أو قل حوار الطرشان، وقال بأنّه مُتفائل بمستقبل الديمقراطية في تونس، وكأنّ الديمقراطية عنده أصبحت بديلاً عن الإسلام، فهو ينافح عنها وكأنّها وثن يُعبد!
إنّ هذا الرجل الذي نقل حزبه من حزب له سمت إسلامي إلى حزب علماني مضاد للشريعة الإسلامية، ولم يكتفِ بفصل كل ما هو دعوي عن كل ما هو سياسي على طريقة العلمانيين في الفصل التام ما بين الدولة والسياسة، بل واعتبر أنّ الدولة ليس من مهمّتها فرض الإسلام على الناس، وإنما مهمتها تُختزل فقط في حفظ الأمن العام وتقديم الخدمات فقال: "الناس تصلي أو ما تصلي، يسكروا أو ما يسكروا، النساء تلبس الخمار أو ما تلبس الخمار، هذا كله متروك للناس".
فمن الطبيعي إذاً عندما يسمع المسلم مثل هذا الكلام من زعيم حزب إسلامي ولو شكلياً، أنْ يكفر هذا المسلم بالديمقراطية، وألا يفرق بينها وبين الدكتاتورية، خاصة وأن كلتيهما قد أخفقتا في تحسين الوضع الاقتصادي للناس، وفي قطع أيادي الاستعمار عن مقدرات الدولة.
وأما من ناحية سياسية فالغنوشي الذي سبق أن خضع لاستجواب مجلس العموم البريطاني قبل انخراطه في العمل السياسي في تونس، قد جاء إلى تونس بعد الإطاحة ببن علي ليقوي رجال الإنجليز في البلاد، ومنهم الرئيس المقبور السابق الباجي قائد السبسي الذي كان من جماعة بورقيبة عملاء الإنجليز المعادين للإسلام بضراوة.
فهؤلاء الديمقراطيون لا يختلفون كثيراً عن قيس سعيد الذي ارتمى بحضن الفرنسيين، والنتيجة أنّه بدل أن يكون الصراع بين المسلمين وبين عملاء وأذناب الاستعمار، أصبح بين عملاء فرنسا وعملاء بريطانيا، وتحولت الدولة إلى مزرعة يتقاتل عليها اللصوص الأجانب.
إنّ المشروع العملي الوحيد القادر على إسقاط حكم الاستبداد في تونس وفي كل البلاد الإسلامية هو مشروع الإسلام العظيم، فالإسلام هو دين عامة أهل البلاد، وربطه بالعمل السياسي ربطاً مُحكماً هو الذي يُمكّن دعاة التغيير من التغلب على عملاء فرنسا وبريطانيا في تونس في آنٍ واحد، وهو الوحيد الذي يستطيع استئصال النفوذ الأجنبي برمته من البلاد.

الأربعاء، 4 أغسطس 2021

التبعية السياسية سبب رئيسي للفشل الدبلوماسي- سد النهضة مثالا-

التبعية السياسية سبب رئيسي للفشل الدبلوماسي - سد النهضة مثالا -

بعد إعلان إثيوبيا عن الانتهاء من مرحلة الملء الثاني للبحيرة التي تحتجز مياه نهر النيل الأزرق خلف السد، ظهر للناس بوضوح حقيقة الدبلوماسيات الفاشلة للقيادتين المصرية والسودانية في معالجتهما لأزمة السد، وظهر معها العجز السياسي الكامل الذي كشف عن فقدان الإرادة السياسية لمصر والسودان واعتمادهما في حل كل مشاكلهما بشكلٍ مطلق على أمريكا والمؤسسات الدولية.
إنّ الدول التي تملك ترسانة عسكرية كبيرة كمصر ولا تستخدمها في حالة الاحتياج لها تكون ترسانتها في هذه الحالة عبئاً عليها، فمصر التي تمتلك من كل أنواع القوة العسكرية عشرة أضعاف ما تمتلكه إثيوبيا لم تستخدم قوتها المتفوقة في مواجهة العدوان الإثيوبي المائي ضد مصر والسودان، وفي حين تنجح إثيوبيا في هذا الموضوع تفشل فيه مصر ومعها السودان فشلاً ذريعا، وبينما تُصنّف مصر في المرتبة الثالثة عشرة في التصنيف العسكري العالمي تُصنّف إثيوبيا في المرتبة الستين.
فمصر تمتلك من الجنود والطائرات والدبابات وسائر أنواع المعدات ما يزيد عن إثيوبيا في العدد وفي النوعية وفي التدريب بفروقات كبيرة، بينما إثيوبيا دولة شبه مفككة ولديها مشاكل عرقية ودينية وحروب أهلية لا حصر لها، وآخرها حرب إقليم تيجراي، ومع ذلك فموقفها في موضوع السد قوي ومتماسك ويعتمد على قوة الدولة الداخلية، بينما الموقف المصري هزيل جداً يعتمد على القوى الخارجية لتعينها في اتخاذ قراراتها.
وكالعادة جاءت الصفعة الشديدة لمصر والسودان من القوى الخارجية التي تُعول عليها الحكومتان المصرية والسودانية إذ جاءت من مجلس الأمن الذي خذلها في هذه القضية كما كان دائما يخذلها في قضاياها السابقة.
والأنكى من ذلك كله أنّ الإعلام المصري الحكومي المضلّل يستمر في تصوير الموقف المصري للرأي العام وكأنّه انتصار عظيم في مواجهة إثيوبيا، ويُصور وزير خارجيتها سامح شكري بأنّه أسد الوزارة، بينما كانت تصريحاته هزيلة جدا ومتناقضة، وكانت نتائج سياسات وزارته مُخيبة للآمال أسفرت عن انحياز روسيا والصين إلى جانب إثيوبيا إذ اعترفتا بأهمية السد لإثيوبيا، فيما شرعت روسيا بالتعاون العسكري معها، بينما أظهرت هذه السياسات الفاشلة للخارجية المصرية وقوف بقية البلدان المهمة على الحياد ظاهرياً، بمعنى أنّها مع إثيوبيا فعلياً.
ويمكن تحديد إخفاق الدبلوماسية المصرية في موضوع السد بالأسباب التالية:
1- الركون إلى أمريكا في اتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة في كل ما له علاقة بالسياسة الخارجية.
2- الامتناع عن اتخاذ أي إجراء عملي ضد إثيوبيا مُنذ بدء الأزمة قبل أكثر من عشر سنوات، وتضييع تلك السنوات الطويلة من دون أي حراك فعلي، والاكتفاء بخوض المفاوضات السقيمة المضيّعة للوقت، والمشابهة لمفاوضات السلطة الفلسطينية العقيمة مع كيان يهود.
3- عدم استخدام القوة العسكرية مطلقاً، وعدم التلويح بها، والتأكيد بشكل مُطمئن لإثيوبيا على الخيار السلمي كخيار وحيد لمعالجة الأزمة.
4- التوجه بالأزمة نحو المنابر الدولية والإقليمية مثل مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي وآخرين.
5- اختلاف السياستين المصرية والسودانية في مواجهة الأزمة، وعدم تحركهما ككتلة واحدة وقوة واحدة منذ بداية الأزمة.
6- عدم متابعة وملاحقة الدول والشركات التي ساعدت إثيوبيا في بناء السد، وتهديدها منذ البداية، وتحذيرها من مغبة الاستمرار في دعم إثيوبيا.
7- عدم استخدام العمق العربي والإسلامي في مواجهة إثيوبيا منذ وضع اللبنة الأولى لبناء السد.
8- التراخي وعدم اتخاذ المواقف الحاسمة في هذه الأزمة انطلاقاً من قاعدة اتخاذ إجراء الحياة والموت في هذه القضية المصيرية كون الماء عنصر الحياة الرئيسي لأكثر من مائة وأربعين مليوناً يعيشون في مصر والسودان.
إنّ الحل الوحيد لهذه المشكلة يكمن في القيام بعمل عسكري عاجل وحاسم يُنهي سيطرة إثيوبيا نهائياً ليس على موقع السد وحسب، بل على جميع منابع نهر النيل، لا سيما وأنّ الأراضي التي بُني عليها سد النهضة بالذات تعود في الأصل لقبائل بني شنقول العربية السودانية التي منحها الإنجليز لإثيوبيا عام 1902.
إنّ مثل هذا الحل يكون سهلا جدا لو وجدت القيادة المبدئية التي تستند في قراراتها إلى قوة الأمة وذاتية أمانها وسلطانها، وهو ما يفرض على أهل القوة في مصر والسودان وغيرهما من بلاد المسلمين العمل الجاد على إزالة هذه النخب العميلة الحاكمة التي رهنت مصائر شعوبها لقرارات تُملى عليها من الكافر المستعمر، وأن يحل محلها قيادة إسلامية مبدئية حقيقية تتصدى لكل المؤامرات الدولية فتحبطها، وتفرض على العالم بأسره حضوراً سياسياً إسلامياً فاعلاً ينتصف للمظلومين، ويحمل مشاعل الهدى للعالم.