الأربعاء، 29 سبتمبر 2021

أسباب انهيار حزب العدالة والتنمية المغربي

أسباب انهيار حزب العدالة والتنمية المغربي

أجريت في الثامن من أيلول/سبتمبر الجاري انتخابات برلمانية في المغرب كانت نتائجها كارثية ومُدمّرة على حزب العدالة والتنمية المغربي، الذي يعتبر نفسه حزباً إسلامياً أو حزباً ذا مرجعية إسلامية، فقد حصل على المركز الثامن والأخير في السباق التنافسي على مقاعد البرلمان المغربي، بعد أن كان يستحوذ على المركز الأول فيه، وبعد أنْ تولى رئاسة الحكومات المغربية المتعاقبة في السنوات العشر الماضية.
لقد سبقته في هذه الانتخابات جميع الأحزاب العلمانية واليسارية؛ فبعد أن كان يحوز في الانتخابات الماضية التي أجريت قبل خمس سنوات على مائة وخمسة وعشرين مقعداً حصل في هذه الانتخابات الأخيرة على اثني عشر مقعداً فقط من أصل ثلاثمائة وخمسة وتسعين مقعداً!
فلم تسبقه الأحزاب المغربية المعروفة كحزب التجمع الوطني وحزب الأصالة وحزب الاستقلال وحسب، بل سبقته أيضاً الأحزاب الصغيرة والمغمورة كالأحزاب الاشتراكية والاتحاد الدستوري، حتى إنّ رئيس حزب العدالة سعد الدين العثماني لم يتمكّن من نيل مقعده في الدائرة الانتخابية التي نافس فيها أمام مرشح شاب مغمور، فكان سقوط هذا الحزب في هذه الانتخابات صاعقاً ومُدوّياً، وكان تصويت الجمهور له عقابياً لدرجة لم يتوقعها أكثر المُراقبين.
تُرى ما هي أسباب هذا السقوط المفاجئ لهذا الحزب وهذا الانهيار المدوي له؟
يُمكن حصر أسباب هذا السقوط بسببين اثنين لا ثالث لهما، وهما:
1- الابتعاد عن الإسلام.
2- التزلف للملك.
وما يُقال عن أسباب أخرى كثيرة لهذا السقوط سوى هذين السببين فإنّه بالتدقيق فيها نجدها كلها تندرج تحت هذين السببين، أو هي نتائج ومظاهر لهما، وأهم هذه الأسباب المتولّدة عنهما أربعة أسباب فرعية كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر هذا الحزب وهي:
1- اتباع الحزب لنظام اقتصادي ليبرالي متوحش يعتمد على أسوأ فاعلين وهما: الخصخصة ورفع الدعم عن السلع الأساسية، فحتى توظيف المعلمين أصبح يدخل ضمن نظام التعاقد الخاص وليس مع الدولة، وأمّا رفع الدعم فاشتمل على رفعه عن المحروقات بشكل خاص مما أثار غضب طبقات واسعة من الجماهير.
2- إقرار الحزب لقانون فرنسة التعليم: حيث تم تمرير قانون جعل اللغة الفرنسية لغة للتعليم بدلاً من اللغة العربية ما أثار حنق الناس الذين يشتمّون رائحة الهيمنة الاستعمارية الغربية والفرنسية حتى على حساب لغة القرآن الكريم.
3- موافقة الحزب على تمرير اتفاق التطبيع مع كيان يهود وهو ما جعل حزب العدالة يسقط أمام عيون ناخبيه الذين كانوا لا يتوقعون منه مجرد السكوت عن التطبيع ناهيك عن القبول به وتمريره في البرلمان.
4- تمرير الحزب لقانون تقنين القنّب: وهو ما يعني القبول بانتشار الحشيش بين العوام.
فهذه الأسباب الأربعة الفرعية هي أبرز الأسباب التي أبعدت الحزب كثيراً عن (مرجعيته الإسلامية) وجعلته يظهر أمام الناس بمظهر الحزب العلماني المناقض في كل مسلكياته لأسس الإسلام وأحكامه.
كما وأظهرت الحزب أمام جمهوره بأنّه مجرد أداة رخيصة يستخدمها الملك متى شاء لتمرير سياساته المعادية للإسلام والمُوالية للغرب.
فحزب العدالة الذي تهرّب من الالتزام بالإسلام تحت شعارات العدالة والتنمية لم يستطع بشعاراته الجوفاء هذه أنْ يحقق في سنيّ حكمه العشر أي شيء من العدالة والتنمية، حيث في فترة حكمه ازداد الفقراء فقراً والأغنياء غنىً، وغلت الأسعار، وارتفعت نسبة البطالة، وتفاقمت الأوضاع الاقتصادية، وتمكنّ الكفار من إدخال ثقافتهم ولغتهم لكي تزعزع ثقافة الأمة وأحكامها الشرعية، وتشكك في حضارتها ومقاييسها وقيمها.
إنّ سقوط هذا الحزب ليس مجرد سقوط لحزب بعينه، بل هو سقوط لنموذج من الأحزاب شاع في الأمّة في زمن الانحطاط، فهذا السقوط هو سقوط لفكرة الحزب ذاتها، ولرؤيته التي تقوم على أساس التقرب من الحكام الطواغيت، والتزلف لهم لقاء بعض المناصب والمنافع الشخصية والحزبية الضيقة.
إنّه سقوط لفكرة التغيير الترقيعي التي ظنّ أصحابها أنّها هي البديل عن التغيير الشمولي.
إنّه سقوط لفكرة استخدام الأحزاب المحسوبة على الإسلاميين في تثبيت الأنظمة الطاغوتية بعد أنْ انكشف سر استخدامها، والذي دلّ عليه كونها جيء بها إلى الحكم بعد اندلاع الثورات العربية من أجل ركوب موجة الثورات والالتفاف عليها.
إنّه سقوط لفكرة التدرج في تطبيق الإسلام، وإنّ تطبيق الإسلام لا يصح معه إلا أنْ يكون كاملاً انقلابياً وجذرياً.
إنّه سقوط لفكرة التوفيق بين الإسلام وبين الحضارة الغربية أو بين الوحي والوضع، أو بين الشرع والعقل.
إنّ الأصل في التغيير أنْ يُبدأ به في النظام برأسه وأساسه، لا أنْ يحافظ عليه ويدافع عنه، فقد وصل الحال البائس بحزب العدالة أنْ اعتبر الملك هو أساس الاستقرار في المغرب بدلاً من أنْ يعتبر الإسلام أساساً له!
لقد حان الأوان لهذا الحزب وأمثاله كحزب النهضة أنْ تختفيَ من الخريطة السياسية تماماً، لأنّها قدّمت أسوأ النماذج في الدفاع عن الطواغيت تحت شعارات كاذبة تتلفح بالحرية والعدالة والتنمية!

الأربعاء، 15 سبتمبر 2021

انقلاب غينيا: مُسبّباته ونتائجه

انقلاب غينيا: مُسبّباته ونتائجه

أطاحت القوات الخاصة الرئاسية بقيادة مامادي دومبويا بالرئيس الغيني ألفا كوندي الذي تم اعتقاله، وتم حل الحكومة وجميع المؤسسات الرسمية، وعُطّل الدستور، وأغلقت الحدود البرية والجوية للدولة.
وبرر الانقلابيون بزعامة دومبيا انقلابهم هذا بسبب ما أسموه بــ: "الوضع السياسي الرهيب الذي آلت إليه البلاد، وانتهاك مبادئ الديمقراطية، واستقلال القضاء، وتسييس الإدارة العمومية، وتدهور الوضع المعيشي، والحريات العامة"، وكان الرئيس المطاح به ألفا كوندي قد غير الدستور للترشح لولاية ثالثة، فأعطى سبباً آخر للعسكر للقيام بالانقلاب عليه.
وتحظى غينيا كغيرها من دول غرب أفريقيا بأهمية استراتيجية كبيرة وبموارد يسيل لها لعاب القوى الاستعمارية، لذلك باتت تُعتبر ساحة تنافس محمومة يتدافع نحوها العديد من اللاعبين الدوليين بحثاً عن النفوذ والموارد والهيمنة.
وبالإضافة إلى الصراع التقليدي عليها بين فرنسا وأمريكا وبريطانيا، فقد دخلت روسيا والصين بثقلٍ كبير على الخط، وباتت تلاحَظ محاولات عسكرية واقتصادية جادة من قوى كبرى جديدة كروسيا للإطاحة بالنفوذ الفرنسي في أفريقيا، خاصة وأنّ أمريكا غضّت الطرف عن التدخل الروسي المكثف في أفريقيا، حيث قال الجنرال ستيفن تاونسند قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) في إفادته أمام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس في حديثه عن المنافسة الروسية والصينية لبلاده في أفريقيا: "أنا أقلُّ قلقاً بشأن المنافسة الروسية، أعتقد أنهم (الروس) أقل أهمية بالنسبة لي على المدى الطويل مقارنة بالصين، الصين مصدر قلق اليوم وعلى المدى الطويل".
كانت أمريكا قد نجحت في الإطاحة بالنفوذ الفرنسي من غينيا في انقلاب موسى كامارا في العام 2008، لكنّ النفوذ الفرنسي والأوروبي بقي إلى جانب النفوذ الأمريكي، ولم يُزل تماماً، ثمّ بعد عامٍ واحد من الانقلاب تمت الإطاحة بكامارا، وعاد النفوذ الفرنسي إلى البلاد في العام 2009 من خلال انقلاب سكوبا كونتي، ثمّ ومن خلال ألفا كوندي الذي جاء بعد إجراء أوّل انتخابات عامة بعيداً عن تحكم العسكر في العام 2010 كرئيس توافقي بين النفوذين الفرنسي والأمريكي استقرّ النفوذ الفرنسي إلى جانب النفوذ الأمريكي في غينيا.
إلا أنّ كوندي قد دفعته أمريكا للتعاون مع روسيا، فأدخل الشركات الروسية ومرتزقة (الفاغنر) الروسية إلى غينيا، وقامت روسيا بتقديم دعم سياسي كبير له خاصة بعد قيامه بإجراء تعديلات دستورية تسمح له بالاستمرار في السلطة، بالرغم من اعتراض فرنسا على تلك التعديلات، وسمح كوندي كذلك للشركات الروسية بالتنقيب عن البوكسيت في غينيا مما أثار حفيظة فرنسا.
وأصبحت الدول الأفريقية العميلة لأمريكا أو التي فيها نفوذ أمريكي كبير تسمح لروسيا ببناء قواعد عسكرية كمصر وأفريقيا الوسطى وإريتريا ومدغشقر وموزمبيق والسودان، وباتت غينيا مُرشحة لإقامة قواعد روسية فيها كتلك الدول.
وتغلغل مرتزقة (فاغنر) الروسية في أفريقيا بتمردات مسلحة عدة ضد عملاء فرنسا، ومن هذه الدول غينيا، فأحست فرنسا بالخطر وسارعت للإطاحة بكوندي في الانقلاب الأخير لكي لا يتكرر سيناريو أفريقيا الوسطى الذي سيطرت روسيا من خلاله على الرئاسة.
الانقلاب فرنسي بامتياز:
بثّت وسائل إعلام فرنسية الأحد الماضي مقطعا مصورا يظهر فيه قائد القوات الخاصة مامادي دومبويا وهو يعلن تنفيذه انقلابا على الرئيس الغيني ألفا كوندي واعتقاله، وتناولت وسائل الإعلام معلومات عن قائد الانقلاب دومبويا الذي انقلب على رئيسه بأنّه استمد جميع أفكاره العسكرية وتدريباته من خلال مسيرته مع الجيش الفرنسي، وكان عضوا في الفيلق الأجنبي الفرنسي، قبل أن يتم استدعاؤه إلى غينيا ليسلمه الرئيس ألفا كوندي قيادة قوات النخبة عام 2018، التي شُكلت حديثا في ذلك الوقت، وتخرج دومبويا من المدرسة العسكرية في العاصمة الفرنسية باريس، وقاتل مع الفيلق الأجنبي الفرنسي سنوات، ولديه نحو 15 عاما من الخبرة مع الجيش الفرنسي، شملت إرساله في تدريبات وبعثات إلى كوت ديفوار وجيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى وأفغانستان وأماكن أخرى، كما أرسلته فرنسا أثناء عمله في صفوف قواتها إلى كيان يهود والسنغال والغابون لتلقي تدريبات متخصصة بوصفه خبيرا في إدارة الدفاع والقيادة والاستراتيجية.
وهذه العلاقة الوطيدة التي تجمع بين دومبويا والفرنسيين عزّزها بزواجه من امرأة فرنسية، عضو في الدرك الوطني الفرنسي، وأنجب منها 3 أبناء، حسب ما نقلته تقارير إعلامية.
وتقول المصادر الإعلامية إنّ هذا الانقلاب الذي شهدته غينيا لا يُعتبر مفاجئا، فميول دومبويا الانقلابية على نظام كوندي بدأت منذ إعلانه رغبته في جعل قوات النخبة مستقلة عن وزارة الدفاع، وقالت صحيفة جون أفريك الأحد الماضي إنه في الأشهر الأخيرة أثارت رغبة دومبويا في استقلال وحدته العسكرية عن وزارة الدفاع مخاوف من صراع على السلطة، وأشارت إلى نشوب مشكلات بالفعل بين دومبويا والحكومة في كوناكري عندما تم منعه من الاستقلال بقوات النخبة عن وزارة الدفاع.
 تنظر فرنسا إلى غينيا باعتبارها منطقة نفوذ تقليدية خاصة بها نظراً لماضيها الاستعماري فيها منذ عقود، وتُعد غينيا ومجموعة الدول الفرانكفونية في أفريقيا سوقاً استهلاكية ضخمة للصادرات الفرنسية، ومصدراً مهمّاً للحصول على الموارد والثروات الطبيعية، خاصة أن المنطقة قد أصبحت إحدى مصادر الطاقة بالنسبة لها ولأوروبا، لا سيما النفط والغاز واليورانيوم، وفوق ذلك فإن غينيا تُعتبر أكبر مُصدّر في العالم لمادة بوكسيت الخام التي يصنع منها الألمنيوم.
لقد أضحت منطقة غرب أفريقيا والساحل والصحراء في الواقع ساحة جديدة للتنافس على النفوذ والهيمنة بين روسيا وفرنسا، واتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون روسيا في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، باتباع استراتيجية تهدف لتأجيج المشاعر المعادية لباريس في قارة أفريقيا.
وهذا الصراع الروسي الفرنسي قد حلّ - وبإرادة أمريكية - محل الصراع الأمريكي الفرنسي.
وهكذا تبقى أفريقيا مرتعا للقوى الاستعمارية الكبرى فتُنهب ثرواتها ويُقتل أبناؤها إرضاءً لشهوات وأطماع الرأسماليين الكبار، ولا تنال الشعوب الأفريقية من هذه الصراعات بين الكبار سوى الحروب واللجوء والخراب، ولا ينتج عنها إلا الموت والفقر والدمار.

الثلاثاء، 14 سبتمبر 2021

رابطة العالم الإسلامي توقع اتفاق شراكة مع بلير عدو الاسلام

رابطة العالم الإسلامي تُوقّع اتفاق شراكة مع بلير عدو الإسلام!
 
 
 
الخبر:
 
قالت رابطة العالم الإسلامي إنها وقعت اتفاق شراكة استثنائية مع معهد توني بلير للتغيير العالمي، لجمع رؤيتي المؤسستين، وأشارت الرابطة في بيان إلى أنها ستعمل مع بلير على مدى السنوات الثلاث المقبلة على تقديم برنامج عالمي لتزويد 100 ألف شاب بين أعمار 13-17 بمهارات التفكير والنقد في 18 دولة لمواجهة تحديات فرص المستقبل وفق وصفها، كما سيعمل البرنامج من خلال شبكات المدارس وشركاء التعليم حول العالم على تدريب أكثر من 2400 معلم على: "مهارات الحوار مثل التفكير الناقد، والاستماع النشط، والتواصل العالمي، لنقل هذه المهارات إلى طلابهم، وبذلك سيسهم البرنامج في بناء قدر أكبر من التفاهم المتبادل والتسامح والثقة بين الشباب ومجتمعاتهم، وتصحيح المفاهيم حول التنوع الديني والثقافي". كما سيقوم البرنامج أيضاً ببناء حوار أوسع بين أتباع الأديان والثقافات داخل مجتمعات التنوع، حيث يخاطب تعاطف الشباب وفهمهم لمن يختلفون عنهم في حياتهم اليومية وعائلاتهم ومجتمعاتهم.
 
وكان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، قال إن الإسلام السياسي يعد "تهديدا أمنيا من الدرجة الأولى".
 
التعليق:
 
إنّ ما تُسمّى برابطة العالم الإسلامي التي يُفترض فيها أنْ تُمثّل المسلمين، وأنْ تُدافع عن الإسلام والمسلمين، وأنْ تعمل على تقوية أواصر الشعوب الإسلامية وتوحيدها، وأنْ تقوم بما يؤدي إلى تمتين مواقفهم وجمعهم على عقيدة التوحيد، بدلاً من ذلك نجدها تعمل على تغريب أبناء المسلمين، ومحاولة طمس أفكارهم وقناعاتهم، فنراها تلجأ إلى أعداء الأمّة الحاقدين عليها من مثل توني بلير مجرم حرب العراق وأفغانستان، ونجدها تتعاون معه في إفساد شباب المسلمين، وتعليمهم المفاهيم العلمانية اللادينية، وإبعادهم عن الإسلام، من خلال برامج مشبوهة وشعارات كاذبة وعناوين مُخادعة كالحوار بين الأديان والثقافات، والتفكير الناقد لكل ما هو من مرتكزات ثقافة الأمة، وتشكيك الشباب بالعقيدة الإسلامية، وتشويهها وحملهم على تركها، من خلال برامج مسمومة تُعدّها مؤسسة بلير لإفساد عقول أبناء المسلمين.
 
فرابطة العالم الإسلامي اتفقت مع مؤسسة بلير على الزج بمائة ألف من صغار السن و2400 معلم لدمجهم في برنامج عالمي علماني لغسل عقولهم وتحويلهم إلى أبواق للدفاع عن الحضارة الغربية المادية ومقاييسها النفعية.
 
إنّ هذه الرابطة بعد هذا الاتفاق المفضوح لم تعُد تُمثّل المسلمين، وإنّما أصبحت أداة للرأسمالية العالمية تُقدّم أبناء الأمّة الصغار ليكونوا حقل تجارب فكرية للثقافة الغربية، ولإبعادهم عن دينهم وتحويلهم إلى شخصيات مضطربة مهزوزة تحمل المشروع الاستعماري الرأسمالي في قوالب وشعارات كاذبة، وتتحدث عن الحوار والتفكير الناقد وما شاكل ذلك من أفكار ومفاهيم مادية تُنكر علاقة الدين بالدولة وبالحياة، وتحصره في الصوامع والزوايا.

الخميس، 2 سبتمبر 2021

حقائق وعبر من حرب أفغانستان

حقائق وعبر من حرب أفغانستان 

غالباً ما تُفرز نتائج الحروب الطويلة الكثير من الدروس والعبر، فعلى المرء أنْ يتخيّر منها ما يُستفاد من نتائجها، وملاحظة إسقاطاتها على الواقع، فيضعها في منزلة الحقائق التي تؤخذ منها تلك الدروس والعبر التي تأتي ضمن سياق سياسي وتاريخي مهم، فينتفع بها المجتمع في نهضته واستقلاليته وتحرّره.
وحرب أفغانستان هي مثال جيد لاستنباط مثل تلك الحقائق كونها دارت بين دولة عظمى مستكبرة يساندها فيها تحالفها الدولي والإقليمي المنافق لها من جهة، وبين حركة إسلامية بسيطة متواضعة لم تجد من يساندها سوى شعبها الفقير المسحوق من جهة أخرى.
الحقيقة الأولى: القوى العظمى يمكن أنْ تهزمها قوى صغيرة تمتلك إرادة القتال
إنّ القوى الكبرى المدججة بالسلاح الفتاك المتطور كأمريكا قد تُهزم قطعاً من قوى صغيرة لا تمتلك إلا قليلاً من القوة المادية كحركة طالبان، ولكن قوتها الحقيقية تتجلى بالإرادة والعزيمة والصبر، فانسحاب أمريكا المذل من أفغانستان هو قطعاً نوع من الهزيمة والهروب من قوة بسيطة، وقد اعترف بايدن بذلك فقال بأنه لا يملك خياراً آخر سوى الانسحاب، وأضاف: "ما نراه الآن يُثبت أنّه ما من قوة عسكرية يمكنها تغيير مجرى الأحداث في أفغانستان المعروفة بأنّها مقبرة الغزاة".
الحقيقة الثانية: القوى العميلة قوى هشّة سريعة السقوط
إنّ القوى العميلة دائماً ما تكون هشة سريعة السقوط مهما انتفخت بالسلاح والعتاد المقدم لها، لأنها بكل بساطة لا تملك قاعدة شعبية ذاتية تركن إليها، وإنما تمتلك قاعدة خارجية استعمارية، فهي بمثابة قوى مرتزقة غريبة عن جسم الأمة، قوى خانت الله ورسوله، وخانت شعبها وأمتها، وهذا ما يفسر سرعة سقوط الحكومة الأفغانية العميلة، وهروب رئيسها أشرف غاني، تاركا الدولة لمقاتلي طالبان الذين طالما حرض على قتالهم، فجيش غاني لم يُبدِ أية مقاومة تذكر، وتبخرت قواته التي يبلغ تعدادها 300 ألف مقاتل أمام مقاتلي طالبان الذين لا يملكون سوى أقل من نصف هذا العدد.
الحقيقة الثالثة: التمسك بالقوة الفكرية الإسلامية وعدم التنازل عنها سبب رئيس للانتصار والبقاء
إنّ وجود الفكر الإسلامي لدى الحركة - ولو كان محدوداً - والثبات عليه، يعينها على البقاء والصمود، وهو سبب رئيسي للانتصار، وحركة طالبان تداوم على طلب العلم الشرعي، وتعلم أفرادها وتعلم الناس الذين تحت سلطانها شيئاً من الثقافة الإسلامية، وهذا يعتبر من الثبات على الفكر الإسلامي والتمسك به، وعدم خلطه بالمفاهيم الغربية.
وبالمقابل فإن الحركات التي تنازلت عن ثقافتها الإسلامية، وحاولت التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية، ومسايرة الثقافة الاستعمارية بدعاوى التجديد والحداثة، ابتداءً من حركات محمد عبدو وجمال الدين الأفغاني، وانتهاءً بحركة النهضة في تونس، كُلّها فشلت وتلاشت وكان مصيرها الزوال والاندثار.
الحقيقة الرابعة: التشدّق بشعارات الحرية والديمقراطية والتعددية والحداثة وتمكين المرأة وحقوق الإنسان إنْ هو إلا كذبة كبرى في عملية التحرير أو التغيير لا قيمة لها
إنّ إطلاق مثل هذه الشعارات المدسوسة الهدف منها هو عرقلة عملية التحرير، وحرف الحركة عن تحقيق أهدافها، وقد ثبت أنّها مجرد أوهام لا تؤثر على الحركة الجادة التي لم تلتفت إلى مثل هذه الشعارات المكذوبة، وحتى أمريكا في مفاوضاتها مع حركة طالبان لم تأتِ على ذكرها، فمثل هذه الشعارات لا تروَّج إلا في بيئات مائعة فكرياً لديها قابلية لتقبلها، أمّا مع حركة طالبان فلا مكان لترويجها، والغرب يعلم ذلك.
الحقيقة الخامسة: حسن الرعاية يقوي الحاضنة الجماهيرية ويوسعها ويزيدها التفافاً حول الحركة، وسوء الرعاية يشتت الحاضنة ويجعلها أكثر انقساماً وعداءً
لا شك أنّ الرفق بالناس وحسن رعاية شؤونهم وحماية ممتلكاتهم وأعراضهم وتطبيق أحكام الشريعة عليهم بالعدل والإنصاف يزيد من تقبل الناس للحركة، ويجعلهم حاضنة حقيقية لها، بينما سوء الرعاية والانتقام من الناس المخالفين للحركة بالرأي يشتت الحاضنة ويصرفها عن دعمها، ويوجد العداء والشحناء بين الناس، فالناس يقبلون بالحركة ويرضون بقيادتها إذا أحسنت رعاية شؤونهم ولو اختلفوا معها في المتبنيات العقائدية والفكرية، ويرفضونها ويعادونها إذا أساءت الرعاية ولو اتفقوا معها في المتبنيات.
ولعلّ تنظيم الدولة مثال واضح على سوء الرعاية في المناطق التي استولى عليها في سوريا والعراق قبل طرده منها، فالناس لم يُدافعوا عنه، ولم يحتضنوه بالرغم من رفعه للشعارات الإسلامية، وبالرغم من زعمه إقامة الخلافة، فهم شاهدوا بالحس مدى غلظته وانتقامه ممن يخالفه، وأخذ الناس وقتلهم بالشبهة.
وهذا يؤكد أن على الحركة أنْ لا تحيد عن أفكار الإسلام ولا تبدل ولا تغير المفاهيم بحجة مراضاة (الأقليات)، أو مشاركة أصحاب الأفكار المخالفة للإسلام في الحكم، فالناس تقبل بالحكم بالإسلام ولو كانوا كفاراً ما دام يُطبّق عليهم بحسن رعاية.
الحقيقة السادسة: القواعد الدولية يفرضها الأقوياء ويجب تبديلها بالحكمة والقوة إذا كانت تخالف الإسلام
لا يجب النظر إلى القواعد الدولية على أنّها مسلمات لا تتغير ولا تتبدل، بل يجب العمل على تغييرها من أول يومٍ تصل فيه الحركة إلى الحكم، فالكفار لا يفهمون إلا لغة القوة، ولا يخضعون إلا للقوة، وحركة طالبان التي سيطرت على أفغانستان لا شك أنها أصبحت حركة قوية لأنها سيطرت على كل مقومات الدولة، ولأن معها ليس شعبها فقط، بل معها مليار ونصف المليار من المسلمين يقفون خلفها إنْ هي قامت بإسقاط القواعد الدولية الظالمة التي فرضها الكافر المستعمر على المسلمين، والتي من أخطرها الحدود التي تفصل بين شعوب الأمة الإسلامية الواحدة، ومثال ذلك الحدود التي رسمها المستعمرون الإنجليز لأفغانستان لعزلها وفصلها عن امتداداتها في البلدان المجاورة لها، وبالتالي فصلها عن مصدر قوتها، وحصرها في مجال جغرافي ضيّق لإبقائها ضعيفة ومعزولة عن محيطها الإسلامي الطبيعي في باكستان وبلدان آسيا الوسطى، فخط دوراند الذي رسم حدود أفغانستان منذ سنة 1893 لا يجوز الاعتراف به، ويجب العمل منذ الآن على إلغائه، فالذي رسمه هو وزير الخارجية البريطاني لحكومة الهند البريطانية قبل ما يقارب المائة وعشرين سنة، من أجل بقاء أفغانستان دولة عازلة بين روسيا وبريطانيا في ذلك الوقت، لكن اليوم اختلف الواقع، ولم تعد الهند بريطانية، وباختلاف الواقع يختلف خط الحدود التعسّفي الذي قسّم دول المنطقة، وقطّع أوصالها.
فنصيحتنا لطالبان أنْ تبدأ دبلوماسيتها بالتحرك مع جيرانها في باكستان وبلدان آسيا الوسطى على قواعد إسلامية جديدة، تقوم على أساس الوحدة بين دول المنطقة الإسلامية الواحدة، التي تصلح لإقامة نواة دولة الخلافة الإسلامية العالمية انطلاقاً من أفغانستان