الخميس، 6 مايو، 2010

استئناف المفاوضات بين الاستغفال السياسي وقلب الحقائق

استئناف المفاوضات بين الاستغفال السياسي وقلب الحقائق


إن التضليل السياسي الذي تمارسه الأنظمة العربية الحاكمة ومعها السلطة الفلسطينية على الشعوب العربية قد بلغ مستويات قياسية غير مسبوقة، فالمفاوضات المباشرة العقيمة التي باشرتها السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير مع كيان يهود قد تحولت وبعد ثمانية عشر عاما إلى مفاوضات غير مباشرة برعاية أمريكية.

فإذا لم تُفد ثمانية عشر عاما من التفاوض المباشر مع دولة يهود فماذا عساها أن تفعل الأربعة أشهر من المفاوضات غير المباشرة؟ أم أن المسألة فيها مؤامرة وإضاعة مقصودة للوقت وإلهاء متعمد للمتفاوضين؟

إن أية مفاوضات عندما تتحول إلى هدف يُسعى لذاته فلا أحد يتوقع منها أن تُفضي إلى أي نتيجة، فالمواقف العربية والفلسطينية الهزيلة إزاء هذه المسألة قد أحال كل شيء في المنطقة العربية إلى مغالطات سياسية والى قلب للمفاهيم.

فالمعروف مثلا في كل أماكن الصراع في العالم أن المفاوضات هي مرحلة مؤقتة عادة ما يتمخض عنها إما الهدنة من غير صلح واعتراف بالطرف المقابل، وإما الصلح والاعتراف بالطرف المقابل، وهذا ما هو معروف عالميا في كل مناطق النزاع. أما في منطقتنا العربية فالأمور تؤخذ بالمقلوب، إذ قد حصل الاعتراف والصلح بـ (إسرائيل) قبل الانتهاء من التفاوض.

ونحن لا زلنا نذكر لاءات مؤتمر الخرطوم الثلاثة بعيد هزيمة عام 1967م حيث كانت مرتبة ترتيبا منطقيا واقعيا آنذاك ( لا للتفاوض، لا للصلح، لا للاعتراف) ولكن بعد أن وقعت الخيانة وتحولت اللاءات إلى نعم، كان يفترض البدء بالمفاوضات أولاً ثم لا يتم الانتقال منها إلى الصلح والاعتراف إلا بعد الفراغ من عملية التفاوض تماماً.

لكن الذي حصل أن المتفاوضين الفلسطينيين والعرب قد اعترفوا ب( اسرائيل ) وصالحوها قبل أن ينهوا المفاوضات معها، فقد كانوا متعجلين ومتلهفين للالتقاء مع اليهود، والتصالح معهم، والاعتراف بكيانهم على أنقاض الأراضي الفلسطينية.

إن استغفال الزعماء العرب والفلسطينيين من قبل أمريكا ودولة يهود قد جعلهم يتنازلون عن شرط تجميد الاستيطان لاستئناف المفاوضات، والاستعاضة به ضمانات شفوية مبهمة من إدارة اوباما لا تسمن ولا تغني من جوع.

والأنكى من ذلك أن وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت عن استئناف المفاوضات غير المباشرة قبل أن تعلن لجنة المتابعة العربية الممثلة للدول العربية عنها. فلقد بلغ الاستهتار بالعرب والفلسطينيين جداً جعل من أمريكا تسارع إلى الإعلان من دون أخذ رأي الطرف الرئيسي في المفاوضات، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى احتقار أمريكا للقيادات العربية والفلسطينية، ويدل كذلك على مدى استخفافها بها.

فما قيمة أن تجتمع لجنة المتابعة العربية المنبثقة عن الجامعة العربية وتتخذ قراراً بالموافقة على تفويض السلطة الفلسطينية بالدخول في المفاوضات المباشرة إذا كان قرار استئناف التفاوض قد اتُخذ فعلاً من قبل أمريكا وأعلن عنه قبل موافقة الجامعة ومنظمة التحرير عليه؟

فهذا الهوان الذي آلت إليه أمور حكام العرب وزعماء الفلسطينيين ما كان ليحصل لولا استجدائهم المذل لأمريكا بالتسريع في عملية المفاوضات، وها هو محمود عباس الذي بات ينطق باسم جميع حكام العرب في هذه القضية يناشد أمريكا، ويرجوها، ويتوسل إليها لفرض ما يسمى بالسلام في المنطقة، ويُذكرها بأن إقامة الدولة الفلسطينية هي مصلحة أمريكية فلتعمل إذا أمريكا على تحقيق مصلحتها؟

فإذا بلغ اللهاث بعباس وبحكام العرب حد استجداء السلام من أمريكا فهذا معناه أن الاجتماعات التي تعقدها لجنة المتابعة العربية، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ما هي سوى شكليات تُخفي حقيقة الخيانة الكامنة في أعماق هؤلاء العملاء الذين اشرأبت نفوسهم بها، فصاروا يبيعون فلسطين لليهود بثمن بخس، ولا يجدون أي حرج، بل لا يحسون بأي وخز لضمائرهم التي فقدت ومنذ وقت بعيد أي إحساس بالعزة وبالكرامة وبالرجولة.

ليست هناك تعليقات: