الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2008

دول أمريكا اللاتينية تشق عصا الطاعة الأمريكية وتشب عن الطوق




دول أمريكا اللاتينية تشق عصا الطاعة الأمريكية وتشب عن الطوق

تعليق سياسي

ظلت معظم دول أمريكا اللاتينية لعقود طويلة ولغاية نهايات القرن الماضي الميلادي تخضع لطغم عسكرية دكتاتورية فاسدة تتلقى توجيهاتها من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وحتى الدول التي كانت تجري فيها انتخابات ديمقراطية كان العسكر فيها ينقلبون على الحكومات المدنية إذا تبنت تلك الحكومات سياسات معادية للأمريكيين، وذلك كما حصل مع سلفادور اليندي في تشيلي الذي أُطيح به على يد الطاغية بينوشيه في سبعينات القرن الماضي.
ولطالما كانت تُعتبر هذه الدول كمزارع للولايات المتحدة لا فرق بين دول كبيرة منها كالبرازيل أو دول صغيرة كالبيرو. ولكن التغير الجوهري الذي طرأ على طبيعة الحكم فيها قد بدأ يظهر مع إجبار الحكام العسكر على التنحي عن السلطة في تسعينات القرن الماضي بشكل كامل، وموافقة الولايات المتحدة على رفع يدها عن دعمهم.
ومن المفارقات العجيبة أنه كان لتبني أمريكا نشر فكرة الديمقراطيات في العالم وبالذات في دول أمريكا اللاتينية الأثر الأكبر في تحول أنظمة تلك الدول عن موالاتهم للأمريكان، بل وفي سيرها ضد الرأسمالية الليبرالية الأمريكية التي لم تجلب لها سوى المعاناة والشقاء والحرمان. وما يجري الآن في بوليفيا هو مثال قد يتكرر في دول لاتينية أخرى حيث أن الانتخابات فيها أفرزت حاكماً يمثل الأكثرية المعدمة في البلاد. فالرئيس البوليفي المنتخب إيفو موراليس هو أول رئيس ينحدر من أصول هندية (الهنود الحمر) حاول خدمة بني جلدته، وتحسين مستوى عيشهم، وإنقاذهم من براثن الفقر والاستغلال، ومواجهة الأقلية الأوروبية التي تسيطر على الأراضي الخصبة في البلاد، والمدعومة من قبل الولايات المتحدة، حاول موراليس خدمتهم من خلال استحداث إصلاحات دستورية تُعرض على المواطنين لنيل الموافقة عليها ليتمكن من إعادة تقسيم المزارع ومنح أراضٍ للفقراء البوليفيين. وقد قوبلت محاولته هذه بمعارضة شديدة من الملاك البيض المنتفعين والمدعومين من قبل الولايات المتحدة، ووقع صدام بين الطرفين أسفر عن مقتل العشرات، وعبثت الأيادي الأمريكية في شؤون البلاد وأذكت هذا الصدام، وتحول إلى مطالبةٍ بانفصال خمس ولايات من البلاد التي تتشكل أصلاً من تسعة ولايات فقط.
وعندما وجد الرئيس موراليس أن السفير الأمريكي يشرف بنفسه على دعم الانفصاليين المعارضين له قرّر اتخاذ قرارات حاسمة، فأمر بطرد السفير الأمريكي من البلاد ودخل في صراع مكشوف مع عملاء أمريكا الذين يملكون الثروة ولديهم الحظوة عند الأمريكان كونهم كانوا حكاماً للبلاد قبل وصول موراليس إلى السلطة.
وعبَّر موراليس عن استيائه من ذلك التدخل الأمريكي السافر في شؤون بلاده، ومن دعم خصومه السياسيين، ووصف أعمال المعارضة بأنها "محاولة انقلابية فاشية وعنصرية تشهدها البلاد" وقال: "يستطيعون إسقاط الهندي (الأحمر) لكن الشعب البوليفي شعب ثوري ولن يسقط ويجب الدفاع عن التغيير بأي ثمن" ودعا إلى "الدفاع عن التغيير أو الموت من أجل الوطن" لمواجهة الأزمة التي أثارتها الأقاليم الخاضعة لسلطة المعارضة المتواطئة مع أمريكا.
وأظهر موراليس تصميماً أكيداً على الاستمرار في مقارعة الرأسماليين والعملاء فقال: "إن القرار يستجيب لنضال الشعوب من السكان الأصليين، ليس في بوليفيا وحدها بل في كل أمريكا اللاتينية التي قاتلت خمسمائة عام ضد كل الإمبراطوريات" ويقصد الدول الاستعمارية كإسبانيا وأمريكا. وتعهد موراليس بإقرار دستور جديد ينحاز لسكان بوليفيا الأصليين والفقراء ولا يحرمهم من حقوقهم. وقد وجدت سياسات موراليس الجريئة هذه ضد الولايات المتحدة وعملائها دعماً قوياً من دول أمريكا اللاتينية الأخرى فقطعت كل من فنزويلا وهندوراس علاقاتهما الدبلوماسية مع واشنطن على الفور، وتداعت مجموعة دول اليونيسور التي تضم جميع دول أمريكا اللاتينية إلى الاجتماع لدعم خطوات موراليس.
إن هذا الموقف الجريء لموراليس من أمريكا وعملائها جدير بالاحترام وجدير بأن يأخذ الآخرين منه الدروس والعبر.
فهذه الدولة الصغيرة الفقيرة التي خضعت للهيمنة الأمريكية قرابة المائة عام استطاعت أن تتحدى أمريكا بكل قوة وعزيمة، واستطاعت أن تحاصر عملائها الذين شكَّلوا طابوراً خامساً في بوليفيا، وعملوا على زعزعة وحدة الدولة وإثارة النعرات الانفصالية فيها. لقد استطاع موراليس الذي اعتمد على الحاضنة الشعبية الطبيعية، وعلى السند الداخلي الذاتي أن يعمل على إيجاد التغيير الحقيقي في بلاده والذي يؤدي بالضرورة إلى طرد النفوذ الأمريكي ليس من بوليفيا وحسب، بل ومن جميع دول أمريكا اللاتينية.
لقد كان الأولى بحكام المسلمين أن يحتذوا بموراليس هذا، وأن يعملوا على تصفية النفوذ الأمريكي الغربي من بلدانهم، لا سيما وأنهم يملكون إمكانيات ضخمة لا تملكها بوليفيا ولا دول أمريكا اللاتينية. وأول هذه الإمكانيات المتوفرة لدى بلدان العالم الاسلامي هي قوة المبدأ الإسلامي الذي تحتضنه جميع الشعوب الإسلامية، والذي تستطيع الدولة إن اعتمدته أن تقاتل العالم أجمع لو وقف في طريقها، وتستطيع أن تُغير به خريطة العالم السياسي والحضاري، وأن ترسي بالتالي علاقات دولية جديدة مبنية على قواعد العدل والإنصاف والرفاهية.
نعم تستطيع الدول أن تفعل ذلك وأكثر لو امتلكت الإرادة، فأمريكا دولة عاجزة عن مواجهة إرادة التغيير الحقيقية، وعجزها هذا قد تجلى تماماً مع دولة كبوليفيا صغيرة في امكانياتها لكنها تملك إرادة حقيقية للتغيير.

ليست هناك تعليقات: