الثلاثاء، 9 سبتمبر، 2008

تعليق سياسي / المفاوض الفلسطيني والعزف على الأوتار الصدئة



المفاوض الفلسطيني والعزف على الأوتار الصدئة

خمس عشرة عاما ًمن المفاوضات العبثية التي أجراها عرّابو اتفاقية اوسلو الخيانية مع كيان يهود لم تسفر عن أي نتيجة تُذكر، بل كانت نتيجتها صفرا ً كبيرا ً. لقد أقحمهم اليهود طيلة تلك المفاوضات المملة في دهاليز ردهاتها اللامتناهية، وأوردوهم في مهالك بروتوكولاتها وإطاراتها المفرغة من أي مضمون، واستطاعوا بذلك تحويلها من مجرد وسائل وأساليب إلى غايات وأهداف ، وأصبحوا يتفاوضون من أجل التفاوض، ويجتمعون من أجل مجرد الالتقاء والتقاط الصور أمام عدسات الكاميرات، وعقد المؤتمرات الصحفية الفارغة من أي محتوى.
ثم عندما ملّ المتفاوضون من تحقيق النتائج، وسأم الناس من أخبار مفاوضاتهم، تم رفدها بدماء جديدة، حيث قامت أميركا باستدعاء المتفاوضين إلى أنابوليس، وأطلقت الوعود من جديد، وقيل لهم بأن الدولة الفلسطينية ستقام في غضون العام 2008، إلا ّ أن النتيجة جاءت مخيبة لآمال المتفاوضين الذين علّقوا عليها آمالهم، وسرعان ما وجدوا أنفسهم من جديد أمام طريق مسدود، وتبين لهم أن خلاصة الخمس عشرة عاما ً من المفاوضات الشاقة مع اليهود كانت عبارة عن جملة من الأوهام المخادعة والوعود الزائفة. وبدا وضع ( كبار) المفاوضين الفلسطينيين محرجا ً جدا ً أمام الرأي العام الذي ثبت له أن مسيرة المفاوضات الطويلة التي كان يزعم أبطالها المزيفون بأن خوضهم لها لا تختلف عن خوض الحروب، قد أدّت إلى نتائج كارثية، فالمستوطنات قد استفحلت، والحواجز قد أحالت حياة الفلسطينيين إلى جحيم لا يُطاق، والجدار جعلهم يعيشون داخل سجون كبيرة، وأما السلطة الفلسطينية فقد تحولت إلى مجرد متعهد أمني لجيش الاحتلال لا عمل لها سوى حفظ أمن دولة يهود.
إزاء هذه المعطيات المريرة عاد المفاوض الفلسطيني ليبحث عن مخارج تحفظ له ماء وجهه في الملفات العتيقة، فأطل المشروع الانجليزي القديم برأسه من جديد، ونفض عنه غبار الزمن، وتجدد الحديث عن فكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية والتي كانت بريطانيا ورجالاتها في المنطقة يتبنونها قبل العام 1988، وتأسست على عجل ما يُسمى بمجموعة الدراسات الإستراتيجية الفلسطينية في لندن برعاية جامعة اوكسفورد، وتكونت من سبعة وعشرين فلسطينيا ً من الأكاديميين والحقوقيين والسياسيين السابقين من ( المستقلين ) ومن المحسوبين على الفصائل الفلسطينية ومنها فتح وحماس، وقاموا وبتمويل من الاتحاد الأوروبي بإصدار وثيقة مشبوهة مؤلفة من خمسين صفحة جاء فيها أنه " في حالة فشل المفاوضات الراهنة التي ترعاها الولايات المتحدة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة فسيضطر الفلسطينيون إلى استبدال عرض حل الدولتين لعام 1988 من جانب منظمة التحرير الفلسطينية باستراتيجية جديدة لا قولا ً فقط بل على أرض الواقع" ، ودعت الوثيقة إلى ما يسمى " باستبدال خيار الدولتين بخيار الدولة الواحدة لشعبين".
لقد شجعت هذه الوثيقة الخيانية الجديدة المفاوضين الفلسطينيين الفاشلين على إعادة إطلاق هذا المشروع الانجليزي القديم من قمقمه، فقد صرح الرجل الثاني في قيادة التفاوض ورئيس لجنة المفاوضات في السلطة الفلسطينية احمد قريع بأنه : " إذا واصلت إسرائيل إفشال المفاوضات ومنع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة فان الخيار المتاح أمام الشعب الفلسطيني وقيادته هو إقامة دولة ذات قوميتين"
ومن جهته ساهم سري نسيبة المسؤول عن ملف القدس في السلطة في تعزيز هذا الطرح لدى المفاوضين الفلسطينيين والذي اجتمع برئيس الوزراء البريطاني جوردان براون لدى زيارته الأخيرة لفلسطين وصرح له بموقفه بشكل علني وخاطب الأوروبيين فقال : " إن القضية الفلسطينية على وشك أن تدخل حاليا ً نفق المطالبة بدولة واحدة للشعبين وذلك نتيجة لرفض إسرائيل العملي على أرض الواقع فكرة الدولتين". وانتقد نسيبة الدول المانحة على تمويلها للسلطة الفلسطينية معتبراً أن ذلك يعتبر تمويلا ً للاحتلال.
أما عزام الأحمد رئيس كتلة فتح في المجلس التشريعي فشكك في الوضع السياسي برمته لمنظمة التحرير ولحركة فتح وللسلطة الفلسطينية على حد سواء فقال" لم يعد مطلوبا ً شطب منظمة التحرير وحسب وإنما المطلوب هو صياغة سلطة فلسطينية على المقاس الأميركي، وصناعة فتح ومنظمة التحرير على المقاس الأميركي " واعترف بأن : " هناك فيتو أميركي على الحوار الوطني الفلسطيني".
وبهذا اللغط والنبش في الأوراق القديمة استطاع المفاوضون الفلسطينيون العاجزون التلبيس على الكثير من الناس، واستطاعوا خلط الأوراق من جديد، فأدخلوا القضية الفلسطينية في متاهات جديدة ودروب متشابكة.
وأما بالنسبة لموقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس فإنه لا يزال متمسكا ً بالخيار الأميركي المتمثل بإقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب دولة يهود وذلك بحكم ارتباطه المحكم بالأمريكان، فهو لا يهمه في هذه المرحلة سوى إرضاء أسياده الأمريكان واليهود وتنفيذ تعليماتهم لا سيما المتعلقة منها بشطب حق العودة من أجندة الفلسطينيين بشكل تدريجي، ففي مقابلة له في 28/8/2008 مع قناة العربية قال: " إن موضوع العودة الذي نبحثه مع إسرائيل لا يتناول عودة اللاجئين الفلسطينيين جميعا ً، بل يتعلق يعوده عدد محدود منهم يجري التفاوض حولهم" وتلاعب بمعاني اللجؤ والتوطين فقال " أي فلسطيني ينتمي لدولة فلسطينية، عندما ينتمي لا يصبح لاجئا ً، بل يصبح مواطنا ًفي دولة أجنبية، سواء في لبنان أو في أي مكان آخر، وهكذا يكون هاجس التوطين قد انتهى" .
وهكذا عادت القيادة الفلسطينية وعاد معها المفاوض الفلسطيني إلى خلط الأوراق، وعادوا يعزفون على أوتار صدئة ألحانا ً نشازا ً وفي غاية الديماغوجية.

ليست هناك تعليقات: