الأحد، 5 أبريل، 2009

الحكم الشرعي في مؤتمرات القمة العربية وجوداً وانعقاداً


الحكم الشرعي في مؤتمرات القمة العربية وجوداً وانعقاداً

لا بد من بسط واقع مؤتمرات القمة العربية قبل إنزال الحكم الشرعي عليها لكي يكون الحكم منطبقاً على واقعها تمام الانطباق. فمؤتمرات القمة ما هي سوى الثمرة الطبيعية للجامعة العربية التي هي الإطار الرسمي التي ينضوي تحت لوائها اثنتان وعشرون دولة عربية. لقد لمعت فكرة إنشاء الجامعة أول مرة في 29/5/1941م في ذهن وزير الخارجية البريطاني آنذاك أنطوني إيدن، وعرضها على مجلس العموم وتم تدارسها لمدة عامين، ثم في العام 1943م خرج إيدن بتصريحه الشهير الذي أشار فيه إلى أن بريطانيا تنظر بروح العطف لقيام إطار اتحادي بين الدول العربية. وفي العام 1944م وتنفيذاً لهذه الفكرة فقد اجتمع رئيس الوزراء المصري النحاس باشا ونظيره السوري جميل مردم بك والزعيم اللبناني بشارة الخوري وتفاوضوا على كيفية إخراج هذه الفكرة إلى حيز الوجود، وبدأت من فورها الاتصالات مع عدة دول عربية منها العراق والأردن والسعودية واليمن إضافة إلى مصر وسوريا ولبنان، وتمخضت هذه الاتصالات والمشاورات عن انبثاق أول مؤتمر قمة عربي في انشاص بقصر الملك فاروق بالإسكندرية في العام 1946م، كان باكورة أعمال الجامعة.
هذا هو واقع تأسيس الجامعة العربية وما تمخض عنها من مؤتمرات قمة بلغ عددها حتى الآن خمسة وثلاثون مؤتمراً لم تحقق أي إنجاز يذكر لصالح العرب فضلاً عن المسلمين، بل على العكس من ذلك كانت مؤتمراتها إما لتمرير المؤامرات، وإما لتفريغ الطاقات الكامنة بالمزايدات الكلامية الفارغة من أي مضمون.
وبناء على فهم هذا الواقع يمكن القول إن وجود المؤتمرات العربية من حيث هو باطل شرعاً للأدلة التالية:
1) لأن هذه المؤتمرات لا تحتكم في ميثاقها إلى الكتاب والسنة بل تحتكم إلى القوانين الوضعية والدولية، أي تحتكم إلى الطاغوت والله سبحانه وتعالى يقول: )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً((النساء/60).
2) لأن حكام الدول العربية المشاركون في المؤتمرات يوالون الكفار من أعداء الأمة، فصاحب فكرة الجامعة هو في الأصل غير مسلم وهو وزير خارجية بريطانيا الدولة المستعمرة لأهم المستعمرات في المنطقة العربية، وكذلك الذين أعلنوا عن تأسيسها كانت دولهم وقت التأسيس تحت الحكم البريطاني، والإسلام يحرم موالاة الكفار الأعداء، قال تعالى: )بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً{138} الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً((النساء/138-139)، وقال: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ((الممتحنة/1). وموالاة الكفار الأعداء أصبحت بديهية بالنسبة للحكام العرب، وليست محلاً للنقاش، فخطاب القذافي في مؤتمر قمة الدوحة الأخير يؤكد ذلك المفهوم، وقوله في المؤتمر للملك عبد الله بن عبد العزيز: "وأنت الذي صنعتك بريطانيا وحاميتك أمريكا" لم يجد استنكاراً من أي من الزعماء العرب الذين شاركوا في القمة مما يدل على أن ولاءهم للأعداء مسألة بديهية بالنسبة لهم، وما زالت مستمرة وراسخة.
3) لأن القمم العربية وحاضنتها الجامعة العربية تعتمدان الرابطة القومية كأساس وكانتماء للدول الأعضاء فيها، وهو الأمر الذي يتصادم مع النصوص الشرعية القطعية من مثل قوله سبحانه: )إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ((الحجرات/13)، وكقول النبي r: "دعوها فإنها منتنة"، وكقوله أيضاً: "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا أبيض على أسود ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب".
4) لأن وجود الجامعة ووجود مؤتمرات القمة بحد ذاتها يكرس حقيقة انفصال الدول العربية عن بعضها البعض، ويحول دون وحدتها، ويفرق جماعة المسلمين، والرسول r يقول: "من خلع يداً من طاعة الله لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"، ويقول: "من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر"، ويقول: "إنه ستكون هَنات وهَنات، فمن أراد أن يفرق هذه الأمة، وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائناً من كان".
وهذه الأحاديث تستلزم وجوب وجود إمام واحد لجماعة المسلمين، وهو الخليفة، وليس وجود اثنين وعشرين زعيماً موالين للكافر المستعمر، فالأصل أن يُلتزم بوجود جماعة المسلمين وإمامهم لا أن يُلتزم بوجود جماعات كثيرة عليها زعامات انفصالية. وفي حديث حذيفة بن اليمان المشهور تحدث عليه الصلاة والسلام واصفاً حال ما عليه زماننا فقال: "... دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت يا رسول الله صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم".
هذا من حيث وجود مؤتمرات القمة ابتداء، أما من حيث انعقادها فيمكن إضافة الأدلة الشرعية التالية على تحريمها:
1) اعتراف جميع الدول العربية بدولة يهود والتنازل لها عن معظم فلسطين، وذلك كما حصل في قمة فاس في العام 1982م، وفي قمة بيروت في العام 2002م، وإظهار الاستعداد لإبرام الصلح معها إن هي وافقت على الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1948، وهذا مخالف بشكل قاطع للنصوص الشرعية القطعية كقوله تعالى: )فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ((محمد/35)، وفيه تمكين للأعداء من أراضي المسلمين وتمكينهم من السيطرة عليهم وعلى مقدراتهم، وهو مناقض لقوله تعالى:" وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً((النساء/141).
2) تعطيل الجهاد في سبيل الله كون مؤتمرات القمة تدعو باستمرار إلى السلام الدائم مع دولة يهود، وهذا يعني تعطيل حكم الجهاد والذي يعتبر ذروة سنام الإسلام وهو مخالف لعشرات النصوص الشرعية التي تحض المسلمين على القتال ابتداء أو القتال دفاعاً عن ديار المسلمين وأوطانهم وممتلكاتهم، ومنها قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ((التوبة/123)، وقوله تعالى: )فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ((البقرة/194).
3) خيانة المؤتمرين للأمانة وتضييعها وذلك بتسليم فلسطين لليهود وإقرار ذلك التسليم في مؤتمرات القمة التي تنص على الاعتراف بحق اليهود بالوجود في الأراضي الفلسطينية وهي الأرض التي باركها الله فوق كونها أراض وقفية خراجية لا يجوز التفريط بها بأي حال من الأحوال ومن قبل أي حاكم أو دولة أو ما دون ذلك لأنها ملك لجميع المسلمين بكل أجيالهم وفي جميع الدهور. ومن يفرط بها يرتكب أفظع الخيانات وينطبق عليهم قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ((الأنفال/27).
4) منح قوات الاحتلال الأمريكية والغربية الموافقة على احتلال العراق وأفغانستان وذلك كما حصل في مؤتمر القاهرة في العام 1990م تحت ذريعة تحرير الكويت وهو ما يتعارض مع قوله تعالى: )وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً((النساء/141). ومنح الأراضي والمرافق والتسهيلات للأمريكان في البلاد العربية هو إعطاء الكفار أكبر سبيل وسيطرة على المسلمين والله سبحانه حرم ذلك تحريماً قطعياً أبدياً، كما أنه يعتبر من ناحية أخرى استضاءة بنار المشركين وهو لا يجوز لقوله r: "لا تستضيئوا بنار المشركين".
هذا هو حكم الشرع في مؤتمرات القمة العربية وجوداً وانعقاداً وهو الحرمة القطعية والتي يترتب عليها الإثم الشديد لكل من يشارك أو يؤيد أو يرضى بوجودها وانعقادها.
والخلاصة أن هذه المؤتمرات فضلاً عن أنها محرمة شرعاً فلم يُصب المسلمون منها إلا الكوارث والمصائب والنكبات، فبعد أول مؤتمر قمة في انشاص عام 46 بسنتين سقطت فلسطين ووقعت النكبة، وبعد عشرين سنة من انشاص تخلى العرب رسمياً عن تحرير فلسطين بحجة تسليم القضية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبعد قمة الدار البيضاء بسنتين سُلمت الضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان لدولة يهود في مسرحية 1967م، وبعد مؤتمر عام 1990م في القاهرة سقطت العراق.
وهكذا كانت هذه المؤتمرات مؤشرات غالباً ما تدل على وقوع المصائب على رؤوس العرب، وكانت دائماً مصدراً لتمرير الخيانات من خلالها بالإجماع، وذلك كما جرى في مؤتمري فاس وبيروت.
وأما إذا لم تكن هناك خيانات معدة من قبل الأعداء، وإذا لم توجد مصائب يراد إبرامها أو تمريرها، فغالباً ما يسيطر على الزعماء في المؤتمر الخلافات والمشاحنات الشخصية، ويسودها اللغط والحسد والثرثرة.
والخلاصة إن جميع القمم العربية قد ثبت بصورة قاطعة أنها لم تفلح في حل أية مشكلة عربية ولو مشكلة واحدة، فهي فشلت حتى في مجرد فتح الحدود بين الجزائر والمغرب المقفلة منذ عشرات السنين، وعجزت عن توفير الحد الأدنى من التضامن بين الدول العربية، وأخفقت في تنشيط التجارة بين الدول العربية والتي لم تزد نسبتها عن 5% فقط، وتغيبت عن وجود أي دور فاعل لها في المناطق الساخنة كالسودان والصومال وجزر القمر، فضلاً عن العراق وفلسطين والصحراء الغربية.
وبناء على هذا الواقع المر والمخيب للآمال على وجود الجامعة العربية التي بلغ عمرها ثلاثة وستون عاماً، والتي عقد خلالها خمسة وثلاثون مؤتمراً عربياً فاشلاً، بناء على ذلك فإنه واجب على العرب أن يعملوا وبأقصى سرعة ممكنة باتجاه إلغاء الجامعة العربية، وهدمها، وقبرها، قبل أن يستفحل شرها ويزداد اكتواء العرب بنيرانها.

ليست هناك تعليقات: