السبت، 10 أكتوبر، 2015

تأثير أحداث أوكرانيا وسوريا على العلاقات الأمريكية الروسية



تأثير أحداث أوكرانيا وسوريا على العلاقات الأمريكية الروسية




لروسيا مصالح حيوية ملحّة في أوكرانيا وفي سوريا، ففي أوكرانيا تُريد روسيا أن ترفع عنها أمريكا وأوروبا العقوبات التي فُرضت عليها بعد ضمّها لشبه جزيرة القرم، وبعد محاولاتها لضم شرق أوكرانيا إليها، تلك العقوبات التي شلّت اقتصادها، وأضعفت مكانتها الدولية خاصة بعد طردها من مجموعة الثماني الكبرى، وفي سوريا تُريد روسيا ضمان بقاء قاعدتها البحرية في طرطوس، وهي القاعدة الوحيدة التي تملكها في البحر المتوسط لا سيما إذا سقط نظام بشار الأسد. فالرئيس الروسي بوتين يُحاول جاهداً الحفاظ على مكانة روسيا الدولية في أوكرانيا، والتي تُعتبر بمثابة الفناء الداخلي لروسيا، والعمق الاستراتيجي لها، فلا يسمح بسقوطها بيد حلف الناتو بمثل تلك السهولة بمجرد وصول حكام موالين للغرب فيها، لذلك عمد إلى ضم شبه جزيرة القرم لروسيا خوفاً من تحولها إلى قاعدة أطلسية تُزرع كخنجر في خاصرتها، وأمّا في سوريا فيسعى بوتين بكل ما أوتي من قوة للحفاظ على القاعدة الروسية الحيوية للروس في طرطوس، خوفاً من سقوطها بيد الثوار في حال سقوط نظام الأسد، ولو أدّى ذلك السعي إلى دفع ثمن باهظ. هذه هي باختصار مصالح روسيا الحيوية والملحة في أوكرانيا وسوريا، يقول إيغور سوتيادجين كبير الباحثين بالشؤون الروسية بمعهد الدراسات الروسية في لندن: "بوتين يُجيد الكذب وخداع شعبه، وهدفه ليس إنقاذ الأسد أو محاربة داعش، بل رفع العقوبات المفروضة على روسيا عند حلول موعد تجديدها في كانون الأول/ديسمبر المقبل، باعتبار أنّه سيقدّم نفسه حليفاً دولياً بالحرب على داعش ولا يمكن بالتالي لحلفائه العودة لمعاقبته"، فالعقوبات التي فرضها الغرب على روسيا بسبب أوكرانيا قد تسبّبت في تراجع مكانة روسيا الاقتصادية عالمياً، وتباطؤ النمو فيها، وأصبحت بسببها تُعامَل معاملة الدول النامية، فضلاً عن طردها من مجموعة الدول الكبرى اقتصادياً. وفي الاجتماع الأخير الذي عُقد بين أوباما وبوتين في نيويورك حاول الأخير أن يضغط على أوباما لإدراج قضية أوكرانيا في الاجتماع، وللربط بين قضيتي سوريا وأوكرانيا، ومحاولة إقناع أوباما برفع العقوبات عن روسيا، خاصة بعد أن أعلنت روسيا أنّ الانفصاليين الموالين لها في شرق أوكرانيا بدؤوا بسحب آلياتهم الثقيلة باتجاه الأراضي الروسية، إلا أنّ أوباما رفض الربط بين القضيتين، وأصرّ على مواقفه السابقة القاضية بضرورة التزام موسكو الكامل باتفاق مينسك، وعدم تدخل روسيا نهائياً بالشؤون الأوكرانية، وذلك بخلاف تدخلها بالشأن السوري، فقال أوباما: "لا يمكننا أن نظل صامتين تجاه امتهان سيادة أوكرانيا"، وأصرّ على استمرار فرض العقوبات على روسيا. تُحاول روسيا أن تُعوّض خسارتها الدولية والاقتصادية بسبب أوكرانيا عبر التدخل في سوريا، والإلقاء بكل ثقلها العسكري فيها، والعمل على إلحاق الهزيمة بالثوار، أو على الأقل أن تحملهم على القبول بوجود نظام الأسد، والتعامل معه، والتسليم بدور حلفائه الإقليميين في سوريا كإيران، وذلك من أجل إثبات قدرتها على القيام بما لم تستطع أمريكا نفسها القيام به، وذلك بقصد زيادة نفوذها الإقليمي، وبالتالي لتقوية موقفها الدولي من خلال تأمين المصالح الأمريكية في المنطقة، فروسيا لا تملك أن يكون لها تأثير ونفوذ دوليان عن طريق ضرب المصالح الأمريكية، فتقوم عوضاً عن ذلك بالعمل على تأمين المصالح الأمريكية ليكون لها ذلك التأثير في الموقف الدولي. وقد وافقت أمريكا على منح روسيا صلاحية القيام بعمل عسكري في سوريا، ووافقت على قيامها بقصفها لمعارضي نظام الأسد بكل أنواع القنابل المتطورة، للفتك بالناس، ولحملهم على الاستسلام، غير مبالية بالعواقب وإن كانت وخيمة، باعتبار أنّ الجهة التي ترتكب المجازر هي روسيا وليست أمريكا. وأمّا ما يُسمع في وسائل الإعلام من اعتراض أمريكا على القصف الروسي لسوريا فهو ليس إلاّ من باب التضليل، فقد نقلت وكالة تاس عن الجنرال أندريه كارتابولوف المسؤول العسكري في قيادة الأركان بالجيش الروسي مساء السبت 3/10/2015 قوله: "إنّ المناطق التي تمّ استهدافها من قبل سلاح الجو الروسي في سوريا كانت قد عُرّفت من قبل القيادة العسكرية الأمريكية لموسكو سابقاً بأنّها مناطق تأوي إرهابيين فقط"، وأضاف: "إنّ الولايات المتحدة الأمريكية أخطرتنا عبر اتصالات مشتركة بأنّه لا يوجد أحد غير الإرهابيين في هذه المناطق"، وأكّد أنّه قد: "تم إخطار الولايات المتحدة قبل شنّ الغارات". فهناك إذاً اتفاق عسكري كامل بين أمريكا وروسيا على الغارات الروسية في سوريا، وهناك اتصالات عسكرية لا تنقطع بين البلدين حول النشاط العسكري الروسي في سوريا، وكان بوتين قد دعا علناً أمريكا إلى الدخول في تحالف واسع النطاق في سوريا بما يُشبه التحالف الذي أسّس ضد هتلر، لكن أوباما مع رفضه لعرض بوتين هذا إلاّ أنّه أكّد بأنّه لن يعترض عسكرياً على التدخل الروسي في سوريا فقال: "إنّ سوريا لن تتحوّل إلى حربٍ بالوكالة بين الولايات المتحدة وروسيا"، وأضاف: "هذا ليس نوعاً من التنافس بين قوى عظمى على رقعة شطرنج"، وقال المبعوث الأمريكي في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية الجنرال جون آلن: "إنّ ردة الفعل الروسية هذه لا تُشكّل بالضرورة مفاجأة بالنسبة لنا.. لا أعتقد أنّ بوتين سيحظى بردة الفعل ذاتها في سوريا مقارنة بما قام به في أوكرانيا.. نحن لدينا استراتيجية واضحة فيما يتعلق بالتعامل مع داعش في سوريا منذ بداية عمليات التحالف التي مرّ عليها نحو عام الآن". وهذا يعني بكل وضوح أنّ أمريكا مرتاحة للقصف الروسي، وأنّها لن تعترض على التدخل الروسي العسكري الوحشي في سوريا كما اعترضت على التدخل الروسي في أوكرانيا، وأمريكا أصلاً هي التي شجّعت روسيا على الولوج إلى المستنقع السوري، فمبادرة دي ميستورا الأممية الأمريكية دعت في إحدى مقترحاتها إلى تشكيل لجنة اتصال دولية تضم روسيا إلى جانب أمريكا وتركيا وإيران ومصر والسعودية للمساهمة في التوصل إلى حل سياسي في سوريا، وأمريكا دفعت إيران والعراق وسوريا للدخول في تحالف مخابراتي مع روسيا لدفعها للخوض في المستنقع السوري، فأمريكا تُريد توريط روسيا، وإلصاق الأعمال القذرة بها، لتبقى هي في مأمن من شرر الثورة أن يطالها، ولتحقيق الهدف الأمريكي الروسي المشترك بإجهاض الثورة، وضرب الحراك الإسلامي في الشام، وذلك من أجل الحفاظ على نظام الأسد، أو على أي نظام آخر من الطراز نفسه، ولو استوجب الأمر إقامة كيان طائفي في الساحل، وفصله عن جسم الدولة السورية، ومن ثم الحفاظ معه وبه على النفوذ الأمريكي وعلى القاعدة الروسية في طرطوس على حدٍ سواء. وفي هذا السياق لا تتوقف روسيا عن مطالبة أمريكا برفع العقوبات عنها بسبب أوكرانيا والسكوت عن ضمها للقرم، كما تُطالبها بإعادتها إلى مجموعة الدول الاقتصادية الكبرى، ورفع درجتها في الموقف الدولي، وإشراكها معها في تقاسم المنافع العالمية كما كان الحال أيام العهد السوفياتي، وإن كانت أمريكا ترفض هذه المطالبات. فأمريكا ترفض بشدة رفع العقوبات عن روسيا، وترفض اعتبارها الدولة رقم اثنين في الهيكلية الدولية، وتُريد إبقاءها دولة إقليمية، قال جوش إيرنست المتحدث باسم البيت الأبيض: "إنّ روسيا قوة إقليمية ذات اقتصاد أصغر بقليل من اقتصاد إسبانيا". وتستغل أمريكا التدخل العسكري الروسي المكثف في سوريا لتوتير الأجواء الدولية، ولتخويف الدول الأوروبية، والدول التابعة لها في الشرق الأوسط، وذلك بهدف إبقائها دائرةً في محورها، وخاضعةً لاستراتيجياتها، وراضيةً بسياساتها. ونحن نسأل الله تعالى أن تكون ثورة الشام عصية على التطويع، فلا تُخيفها قذائف الطائرات الروسية، ولا تآمر أمريكا الإجرامي عليها، ولا تواطؤ كل الدول الاستعمارية ضدها، ولا تخاذل أنظمة الحكم العميلة في البلدان الإسلامية عن نصرتها، بل يجب أن تزداد اشتعالاً، لتحرق كل من سيقترب منها.. ويجب العمل على جعلها تنصهر يوماً بعد يوم في بوتقة العقيدة الإسلامية، ليتمخض عنها القيادة السياسية الواعية، ولتتحول في النهاية إلى قاعدة إسلامية عقائدية صلبة، تتحطّم عليها كل المؤامرات التي تُحاك ضدها، ثمّ لتخرج من رحمها في النهاية دولة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة، فتطرد الوجود الأمريكي والروسي وسائر الوجود الاستعماري من ديار المسلمين، ولتحمل رسالة الإسلام إلى جنبات المعمورة، وما ذلك على الله بعزيز.