الخميس، 25 فبراير، 2016

الوضع الخاص لبريطانيا داخل الاتحاد الاوروبي يحصن اوروبا



الوضع الخاص لبريطانيا داخل الاتحاد الاوروبي يحصن اوروبا




توصلت القمة الأوروبية التي انعقدت يومي الخميس والجمعة 19و20/2/2016 في العاصمة البلجيكية بروكسل إلى اتفاق حاسم، تمكّنت فيه بريطانيا من انتزاع بعض المطالب المهمّة من الاتحاد الأوروبي، لا سيما التي تتعلق بالسيادة والهجرة وبعض الحقوق المالية والمجتمعية المتعلقة بغير البريطانيين، ورجّحت هذه الاتفاقية الجديدة بقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي، بعد أن كان الرأي العام في بريطانيا ينجرف باتجاه الخروج من المنظومة الأوروبية كلياً. وكان كاميرون قد مثّل دور المتشدّد في لهجته أمام نظرائه الأوروبيين في القمّة، فصرّح بأنّه: "لن يُبرم اتفاقاً إذا لم تحصل بريطانيا على ما تحتاجه". وعلى إثر توقيع الاتفاق الذي وصفه رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك بأنّه: "قد عزّز الوضع الخاص لبريطانيا في الاتحاد الأوروبي"، قال الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند: "إن المملكة المتحدة لديها الآن موقع خاص في أوروبا، فهي ليست عضوا في فضاء شنغن ولا في منطقة اليورو، وليست موقعة على ميثاق الحقوق، ولكن ليس هناك استثناءات لقواعد السوق المشتركة"، وأضاف: "ليس هناك تعديل مقرر للمعاهدات، ولا حق نقض للمملكة المتحدة على قرارات منطقة اليورو، وهذا خط أحمر لا يمكن تخطيه بالنسبة لفرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ". واعتبر هولاند أنّ رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون قد قبل بـ "مبدأ المساواة بين الأسواق المالية الأوروبية"، وأمّا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فقالت بأنّ الاتفاق يُمثل "تسوية عادلة، لم يكن التوصل إليها سهلا بالنسبة لأي من المشاكل"، وقالت بأنّ شركاء كاميرون: "لم يقدّموا الكثير من التنازلات"، فيما اعتبر رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي أنّ "من الضروري الحديث عن مستقبل أوروبا، وليس فقط عن مكانة بريطانيا فيها، لأن هناك خطراً أن نفقد التركيز على الحلم الأوروبي الأصلي"، وقال رئيس وزراء الدنمارك: "إنّ ديفيد كاميرون كافح بشكل جيد من أجل بريطانيا، فالاتفاق جيد لبريطانيا والاتحاد الأوروبي، تهانينا". وصرّح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عقب الاتفاق والذي وصفه بـ"لحظة تاريخية" لبلاده، بقوله إنّه يعتقد أنّ "هذا يكفي لأوصي ببقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء المقرّر إجراؤه في بريطانيا"، والذي تمّ تعيينه فعلياً في 23 حزيران/يونيو 2016. وكان كاميرون قبل التوصل إلى هذا الاتفاق يُطالب الاتحاد الأوروبي بتنفيذ إصلاحات تتعلق بنقاط مثيرة للجدل بالنسبة للأوروبيين، من مثل تقليص الهجرة بين الدول الأوروبية، خاصة من دول شرق أوروبا كرومانيا وبلغاريا، وعدم دفع مساعدات إنسانية للمهاجرين المنحدرين من داخل الاتحاد الأوروبي بهدف العمل في بريطانيا، وعدم إعطاء المزيد من الصلاحيات للبرلمانات الوطنية، والتخلي عن الخطوات التي من شأنها أن تزيد من سلطات ومسؤوليات الاتحاد، ومشاركة بريطانيا في قرارات دول منطقة اليورو. إلاّ أنّ ما تمّ الاتفاق عليه جاء بصيغ عامّة قابلة للتعديل والتأويل، وفيها الكثير من التناقضات، فمثلاً جاء في الاتفاق أن المنظّمين البريطانيين، مثل بنك إنجلترا في لندن، سيُشرفون على البنوك والأسواق الوطنية، حين يتعلق الأمر بالحفاظ على الاستقرار المالي، وجاء في مكانٍ آخر أنّه يجب إخضاع جميع المراكز المالية - بما فيها البريطانية - في دول الاتحاد لقوانين الاتحاد، ورُفض طلب بريطانيا بأن يكون لها أي تأثير في منطقة اليورو. وأمّا أهم بنود الاتفاق التي تمّ التوصل إليها فيمكن تلخيصها في النقاط التالية: 1- في مجال الهجرة: السماح بـتعليق طارئ لبعض المساعدات الإنسانية التي تُقدّمها بريطانيا للمهاجرين الجدد على مدى سبع سنوات بصورة تدريجية، ولكن سيوضع نظام لربط الإعانات العائلية بمستوى المعيشة في البلد الذي يعيش فيه المهاجرون، وينطبق هذا على طالبي اللجوء الجدد، ويمكن أن يُوسع ليشمل المستفيدين الحاليين من المساعدات اعتبارا من عام 2020. 2- في مجال السيادة: استثناء بريطانيا من المبدأ الذي يُلزم الأعضاء بـ (اتحاد يزداد تقاربا) والذي يعتبر من أسس البناء الأوروبي، وذلك بحماية السيادة البريطانية الخاصة وعدم شمول بريطانيا فيه، ولكن لم تُحدّد تلك الأسس. 3- في مجال الحوكمة: حصول بريطانيا على إجراءات غير واضحة لحماية مركزها المالي من أي تمييز في أي بلد يستخدم اليورو، واعتراف الاتحاد الأوروبي بأن لديه عدة عملات، وليس عملة اليورو فقط، لكن هذه الصيغة جاءت مبهمة، فقد أكّد رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر أن الاتفاق لا يمنح لندن أي سلطة تعطيل لقرارات دول اليورو بهذا الشأن. 4- في مجال القدرة التنافسية: اتفق الاتحاد الأوروبي على تحسين القدرة التنافسية، واتخاذ إجراءات عملية لدفعها قدماً، ولم تُفصّل تلك الإجراءات وبقيت غامضة. ويُلاحظ أنّ غالبية هذه النقاط جاءت بصيغ فضفاضة حمّالة أوجه، وهذا ما جعل زعيم حزب الاستقلال البريطاني نايجل فاراج ينتقد الاتفاق بحدّة ويصفه بأنّه "لا يعالج القضايا الأساسية التي تهم الناس، ولا يساوي قيمة الورق الذي كُتب عليه، وبأنّه مثير للشفقة". وكان احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد أثار الكثير من القلق والهلع في أرجاء القارة الأوروبية، فجاء هذا الاتفاق الجديد بين لندن وبروكسل ليُهدّئ مخاوف الأوروبيين من هذا الخروج، وليُعزّز وجود بريطانيا داخل الاتحاد، ولو على حساب تقليل سلطة الاتحاد في التحكم بالشؤون البريطانية، فلا يُفرض على بريطانيا معايير أو قوانين الاتحاد كما يُفرض على غيرها، ويُصبح بوسع الحكومة البريطانية التنصل من الالتزامات المفروضة على سائر الدول الأعضاء فيه، وفقاً لتفسيرها الخاص للاتفاق. وقد مارست ألمانيا وفرنسا بشكلٍ خاص ضغوطاً كبيرةً على سائر دول الاتحاد الأوروبي الأخرى لحملها على إقرار الاتفاق، ولإبقاء بريطانياً عضواً في الاتحاد وعدم السماح بخروجها منه، باعتبارها شريكاً لا غنىً عنه في أوروبا، وباعتبار أنّ قوة أوروبا لا تكتمل إلاّ بوجود بريطانيا في منظومتها. من ناحية مالية واقتصادية حافظت بريطانيا من خلال الاتفاق على استقلالية وضعها المالي، فحافظت على قوة الجنيه الإسترليني، وحافظت على استقلالية بورصة لندن بصفتها من أهم بورصات أوروبا والعالم، ولم تقبل بمساواتها مع البورصات الأوروبية بالرغم من ضغط الألمان والفرنسيين وسائر الأوروبيين عليها لحملها على التنازل عن تلك الخصوصية. كما رفضت تقديم نفس حجم الإعانات الإنسانية التي تُقدم للمهاجرين من شرق أوروبا كما تفعل سائر دول منطقة اليورو، واعتبرت أنّ منطقة الاتحاد الأوروبي مجرد سوق اقتصادي مشترك ليس إلا، وليس مشروعا اقتصاديا سياسيا موحّدا. ومن ناحية سياسية رفضت بريطانيا مبدأ التقارب والاندماج مع دول الاتحاد الأوروبي على مستوى الحكومات والبرلمانات، وأصرّت على عدم منح مؤسسات الاتحاد أية صلاحيات جديدة على بريطانيا. إنّ فرنسا وألمانيا - وهما اللتان تتحكمان فعلياً بدول الاتحاد الأوروبي - تُدركان أهمية بقاء بريطانيا تاريخياً داخل الاتحاد، لذلك قدّمتا بعض التنازلات لبريطانيا من أجل الحفاظ على وجودها معهما، فقبلتا بعدم اندماج بريطانيا في الاتحاد كسائر الدول الأخرى، مقابل تحصين أوروبا من الاختراق وانفلات دوله، وخروجها من العباءة الأوروبية. وكانت غالبية تلك التنازلات التي انتزعتها بريطانيا من الاتفاق لا تمس إلا دول شرق أوروبا، فيما بقيت العلاقات بين الدول الأوروبية الأصلية المؤسّسة للاتحاد على حالها، فلم تتقدّم ولم تتراجع. فطبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية المتشابكة بين بريطانيا وأوروبا تجعل من الصعب على الأوروبيين رؤية بريطانيا خارج المنطقة الأوروبية، لأنّ المصالح المشتركة بين بريطانيا وأوروبا أكبر من مجرد وجود اتحاد يجمعهما، ولأنّ بريطانيا مع فرنسا وألمانيا تُعتبر محوراً أساساً للقوة الأوروبية، وتتصف هذه الدول الثلاث بكونها دولاً كبرى تجتمع حولها سائر دول الاتحاد الأوروبي الأخرى في مواجهة روسيا، ومنافسة أمريكا، وموازنة القوى العالمية الأخرى. وخروج بريطانيا من دول الاتحاد - إن حصل - يعني انفراط عقد أوروبا بالرغم من بقاء الاتحاد، وخروجها منه سوف يؤدي على الأغلب إلى تفكك وتشرذم القوة الأوروبية ولو بقيت تشكيلاتها. لذلك فالأوروبيون لا يُمكن أن يسمحوا بهذا الخروج، ولو اضطروا إلى تقديم تنازلات لبريطانيا - وهو ما حصل بالفعل - وهو ما منحها وضعاً خاصاً جعل من دول الاتحاد في حالة من التمايز والاختلاف أعطت صورة سلبية عن عدم تساوي دوله أمام القوانين المنظّمة له. ومن هنا كان الحرص على بقاء بريطانيا عضواً في الاتحاد الأوروبي هو الذي أجاز منحها وضعاً خاصاً على حساب الدول الأوروبية الأخرى، وهو الذي ساعد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في دفاعه عن بقاء بريطانيا عضواً في الاتحاد، بالرغم من كراهية التيارات القوية في حزبه البقاء فيه. وبعد أن كان كاميرون نفسه من المؤيدين لخروج بريطانيا من الاتحاد أصبح بعد الاتفاق من الداعمين له لدرجة أنّه أصبح يقول: "إنّ مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي سيكون بمثابة قفزة في الظلام". وبالرغم من أنّ الاتفاق بحد ذاته لم يحتوِ على أية بنود قاطعة لصالح بريطانيا، ولم يأتِ بجديد يستحق الذكر، وأبقى الأمور في حالة عائمة بين بريطانيا ودول الاتحاد، وحافظ على وضع بريطانيا الانتهازي بصفتها دولةً تضع قدماً في أوروبا وقدماً في أمريكا، إلاّ أنّه مع ذلك كله فقد قطع الطريق على المنادين بخروج بريطانيا من المنظومة الأوروبية، وأبقى أوروبا كتلةً متحدةً نوعاً ما أمام خصومها، وحافظ على الحد الأدنى من علاقات التوحّد بين القوى الأوروبية الكبرى. فالاتفاق وبالرغم من ضعف نصوصه إلا أنّه قوّى صلات الترابط بين الأوروبيين، وقضى على إمكانية التفكير لدى أي دولة من دوله بالخروج من الجماعة الأوروبية، وسدّ الكثير من المنافذ على أمريكا للعبث بالدول الأوروبية، وأرسى قواعد عمل ثابتة - إلى حدٍ ما - للأوروبيين تضمن استقرارهم ضمن ولاءات أوروبية مقدّمة على أية ولاءات أخرى.