السبت، 26 سبتمبر، 2015

أهداف الدعم الروسي للنظام السوري


أهداف الدعم الروسي للنظام السوري




لروسيا مصالح استراتيجية واقتصادية كبيرة في سوريا، وما يحفظ لها هذه المصالح هو وجود قواعد ونفوذ محسوس لها فيها، وقاعدتها البحرية الموجودة في طرطوس منذ تأسيسها في العام 1971 تُعتبر بمثابة رئتها التي تتنفس بها عبر البحار الدافئة، وهي موطئ قدمها الوحيد والبالغ الأهمية في البحر المتوسط، ولا يوجد أصلاً لديها أية قواعد بديلة عنها تضمن لها النفاذ إلى المحيط الأطلسي وسائر المحيطات الأخرى، لذلك فهي تريد أن تكون قاعدتها هذه ثابتة ودائمة ومضمونة، ولا تتعرض لخطر الزوال بسبب الثورة وما قد ينتج عنها من سقوط النظام، فهي تريد ضمانات لبقاء وجود ثابت لها على الساحل السوري من خلال هذه القاعدة، لأنّ هذا الوجود بحد ذاته يُمكّنها من لعب دور سياسي مهم ليس في سوريا وحسب، وإنّما في منطقة الشرق الأوسط برمّتها، ومن هذا المنطلق يُمكن فهم سبب زيادة دعمها العسكري للنظام السوري الذي باتت ترى فيه ضمانتها الوحيدة للحفاظ على قاعدتها تلك، وعلى سائر نفوذها في سوريا والمنطقة.
قامت روسيا بعد اندلاع الثورة في سوريا بدعم النظام بكل إمكانياتها فشطبت 80% من ديون الدولة السورية والتي تجاوزت 13 مليار دولار مقابل استمرار بيع السلاح للنظام وتوقيع عقود تسليحية جديدة، ثمّ ما لبثت أن توصلت روسيا إلى قناعة تُفيد بأنّ المعارضة السورية إن وصلت إلى الحكم فستخسر روسيا جميع نفوذها في سوريا، لذلك قامت بوضع ثقلها كله في دعم نظام بشار باعتباره الجهة الوحيدة الإقليمية التي تضمن لها ذلك النفوذ.
واستخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) عدة مرات لمنع إدانة النظام السوري، وكان أهم فيتو استخدمته في 2011/12/5 لإسقاط مشروع قرار يقضي بمعاقبة النظام السوري تقدمت به بريطانيا وألمانيا والبرتغال.
وقدّمت روسيا الذريعة لأمريكا لعدم قيامها بضرب النظام بعد استخدامه السلاح الكيميائي بشكل واضح ضد المدنيين السوريين وذلك من خلال تبني النظام للمبادرة الروسية القاضية بتفكيك ترسانته الكيميائية تحت إشراف الأمم المتحدة.
ثمّ إنّ الكم الهائل من مختلف أنواع السلاح الروسي والذخائر الروسية التي قُدّمت للنظام كانت السبب الرئيس في عدم سقوطه طوال السنوات الأربع والنصف الماضية، وإنّ استعداد روسيا الآن للتدخل البري إن لزم الأمر هدفه الحفاظ على النظام، وحمايته من السقوط، بوصفه الوحيد الضامن للمصالح الروسية في سوريا والمنطقة.
تُدافع روسيا الآن بشراسة عن نظام بشار الأسد لدرجة أن سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي أصبح يوصف بأنّه وزير خارجية للنظام السوري وليس لروسيا، وذلك من شدة دفاعه عن هذا النظام بطريقة تفوق فيها على وزير الخارجية السوري وليد المعلم.
ولقد شاركت روسيا أمريكا في تقديم المبادرات السياسية كجنيف1 وجنيف2 وموسكو1 وموسكو2 من أجل إبقاء النظام في حالة من حالات الشرعية الدولية، بحيث أصبحت القوى الدولية الرئيسية اليوم تقبل بوجود بشار الأسد ونظامه في السلطة في أي حل سياسي مقبل فقد قالت بريطانيا: “إنها قد تقبل ببقاء الأسد في السلطة لفترة انتقالية إذا كان هذا سيساعد في حل الصراع”، وقالت فرنسا: “إنه يجب أن يترك الأسد الحكم في إحدى المراحل وليس حالاً”، وقالت النمسا: “إنه يجب أن يكون للأسد دور في محاربة (داعش)“. وقالت إسبانيا: “إن هناك حاجة للتفاوض مع الأسد لإنهاء الحرب”..
لا شك أنّ هناك توافقاً روسياً أمريكياً على رفض إسقاط النظام، بدليل أنّ أمريكا هي التي تُصرّ دوماً على رفض تزويد المعارضة بالأسلحة الثقيلة والنوعية، وهي التي تُصر باستمرار على تحويل وجهة الصراع إلى محاربة ما يُسمى بالإرهاب، وإلى قتال تنظيم الدولة الإسلامية وعدم قتال النظام.
إنّ روسيا تُدرك بلا شك أنّ سوريا منطقة نفوذ غربية وأمريكية وليست منطقة نفوذ تابعة لها، ولا تجرؤ على مثل هذا التدخل السافر في سوريا من دون أخذ ضوء أخضر من أمريكا، وهي تعلم أنّ أمريكا هي التي سمحت لها بالدخول فيها، كما سمحت لها بالدخول في مناطق غيرها، كما أنّها بمقدورها أن تطردها من المنطقة كما طردتها أيام عزّها، وذلك عندما كانت روسيا ضمن الاتحاد السوفييتي السابق، من مصر والعراق وإندونيسيا ومناطق أخرى تابعة للغرب.
لذلك فروسيا اليوم تتوسل إلى أمريكا أن تُشركها معها في معالجة شؤون سوريا، وتتمنى أن تُنسّق معها كل خطواتها، فقد قدّمت روسيا مقترحات لإجراء مناقشات عسكرية مع أمريكا حول سوريا، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية جون كيربي: “إنّ واشنطن تدرس المقترح الروسي بشأن إجراء مناقشات عسكرية تكتيكية وعملية بخصوص الأزمة السورية ومحاربة تنظيم داعش”، وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بيتر كوك: “إنّ وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر بحث مع نظيره الروسي سيرغي شويغو في مكالمة هاتفية يوم الجمعة عن الجوانب التي تتداخل فيها وجهات النظر الروسية والأمريكية ونقاط الخلاف”، ودافع كارتر عن الوجود العسكري الروسي في سوريا ووصفه بأنّه: “دفاعي بطبيعته”.
وتسعى روسيا لإقناع أمريكا بضرورة ربط المسألة السورية بالمسألة الأوكرانية، بمعنى أن تُقدّم روسيا لأمريكا خدمات في سوريا فتُحارب معها ما يُسمّونه بالإرهاب مقابل أن ترفع أمريكا عنها العقوبات بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم في أوكرانيا، لكن أمريكا ترفض هذا الربط، فقد أكّد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أنّ المحادثات مع موسكو بشأن سوريا منفصلة عن الوضع في أوكرانيا وقال: “لا توجد أي صفقة بخصوص سوريا… سوريا أمر آخر غير قابل للمساومة أو المقايضة فيما يتعلق بأوكرانيا”، وأضاف: “إنّ الولايات المتحدة تُريد التوصل إلى خطة دبلوماسية مستقبلية”.
وتُحذّر أوروبا على لسان وزير خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير روسيا من اتخاذ مسارات أحادية الجانب في سوريا فيقول: “لا ينبغي نشوء وضع يجعل أي تحرك مشترك للمجتمع الدولي غير ممكن، كما أنّه لا ينبغي لكل واحد أن يتحرك بطريقته الخاصة في سوريا”، وهذا التصريح فيه تحذير مبطن لأمريكا، لأنّ الكل يعرف أنّ أمريكا هي التي تدفع روسيا للوقوف بجانب الأسد، وهي التي تسمح لها بالتحرك المنفرد وعدم التنسيق مع الأوروبيين.

لكنّ الثورة في الشام لن تسمح لروسيا بالتمادي في غيّها ودعم نظام الطاغية بشّار، ولم يعد سراً أنّ روسيا أصبحت تتحرك كدولة استعمارية وتقوم بتنسيق تحركاتها مع أمريكا لضرب إرادة الأمة، وإجهاض مشروع الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في سوريا، وعلى روسيا أن تعلم أنّ تآمرها مع أمريكا ضد الإسلام في سوريا لن يفيدها، وأنّها سوف تندم على دعمها لنظام الطاغية بشّار أشد الندم، وستكون أكبر الخاسرين بعد انتصار الثورة، فلن يبقى لها قاعدة ولا أي وجود في بلاد الشام، وستخرج من سوريا مذمومة مدحورة.

الأربعاء، 16 سبتمبر، 2015

المستجدات السياسية في العراق



جريدة الراية: المستجدات السياسية في العراق




لا يمر يوم على العراق إلا وتتراكم فيه المشاكل السياسية والأمنية والإدارية، فهو ما زال يتخبط على كل المستويات، فالسياسيون الذين يقودون الحكومة عاجزون عن القيام بالأعمال الجادة لإنهاء مشاكل العراق حتى البسيطة منها، لأنّهم مرتهنون في قراراتهم للإدارة الأمريكية التي سلّمت الدولة العراقية لحكام إيران منذ الغزو الأمريكي للعراق، لذلك فهم مضطرون لأن يُراعوا الأوامر الأمريكية والمصالح الإيرانية معاً عند اتخاذهم لأي قرار.

فأمريكا وبالرغم من إنفاقها أكثر من 40 مليار دولار أمريكي على تدريب الجيش العراقي إلا أنّ أداء هذا الجيش ما زال يتراجع كلمّا تلقى أسلحة جديدة وتدريبات جديدة، وسقوط مدينتي الموصل والرمادي بأيدي تنظيم الدولة كشف عن تآمر قيادات عليا في الجيش وفي الحكومة أدّى إلى ذلك السقوط.

وفشل الجيش في استعادة الرمادي عدة مرات بالرغم من إعلانه أكثر من مرة عن قرب استعادتها يُشير إلى أنّ أمريكا لا تُريد له تحقيق ذلك، فأمريكا تارة تُشير إليهم بضرورة تحرير الفلوجة قبل الرمادي، وتارة ثانية بضرورة تحرير الرمادي قبل الفلوجة، وتارة ثالثة بتوزيع الجيش على مداخلهما لمحاصرتهما قبل تحريرهما، فأمريكا تخدع الجيش وتُخادعه، فتعده بتقديم المساعدات الجوية، وترسم له الخطط للتحرير، وتُمنّيه بقرب ساعة الصفر، فيصدق قادة الجيش والحكومة وعود أمريكا، ثم يتبين لهؤلاء أنّ أمريكا غير جادة، ويُدركون أنّ أمريكا لم تُقدم لهم شيئاً في تحقيق هذا الهدف، فيُصابون بإحباط شديد، ويتم افتضاح كذبهم أمام الرأي العام، ويُضطرون للكذب والتضليل وسحب وعودهم بتأويلات غير مقنعة أمام مؤيديهم.

وعندما تجد أمريكا مثلاً أنّ الجيش العراقي قد اتفق مع الحشد الشعبي على شن هجوم كاسح على الرمادي، وأنّ هذا الهجوم قد ينجح في استرداد المدينة، تتذرع أمريكا بأنّ الحشد الشعبي مدعوم من إيران، وبأنّه يثير النزعات الطائفية، وتقوم بالضغط على الحكومة لفصله وإبعاده عن الجيش، وذلك لإفشال عملية استعادة الحكومة العراقية للرمادي.

فأمريكا في الواقع لا تريد للجيش العراقي أن يستعيد منطقة الأنبار، لأنّها تعتبرها أساس الدويلة الطائفية السنية المقابلة للدويلة الشيعية الطائفية وفقاً لرؤيتها في تقسيم العراق، وبالتالي فهي في تركها للأوضاع على الأرض كما هي تسعى لرسم الحدود المستقبلية للكيانات الطائفية للعراق باستمرار الاحتراب الدموي حتى تتهيأ ظروف التقسيم، وتنضج عملية الطبخ على نار هادئة.

وقد اعترف الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالفعل بعدم جدية أمريكا في حربها ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية فقال بأنّه لم يتردد في القول بأنّ: "الائتلاف لا يملك استراتيجية متكاملة للحرب ضد (داعش)".

لقد كان رئيس المخابرات الأمريكية السابق مايكل هايدن واضحاً في عرض الرؤية الأمريكية لمستقبل العراق عندما شرحها فقال: "لنواجه الحقيقة، العراق لم يعد موجودًا ولا سوريا موجودة، ولبنان دولة فاشلة تقريبًا، ومن المرجح أن تكون ليبيا هكذا أيضًا، واتّفاقيات سايكس بيكو الّتي وضعت هذه الدول على الخارطة بمبادرة من القوى الأوروبية في عام 1916 لم تعكس قطّ الوقائع على الأرض، والآن تؤكّد هذه الحقائق على ذكرياتنا بطريقة عنيفة للغاية، إنّ المنطقة ستبقى في حالة عدم استقرار في السنوات العشرين أو الثلاثين القادمة ولا أعلم إلى أين نحن ذاهبون، ولكن أعتقد أن السياسة الهادفة إلى إحياء هذه الدول لن تكون مجدية".

ثمّ شرعت أبواق أمريكا في العراق تُردّد مقولاته فقال قباد الطالباني وهو نجل الرئيس العراقي السابق جلال الطالباني، إن "العراق كدولة واحدة لم يعد له وجود، وانتماءات السكان فيه موزعة على المذاهب والقوميات"، ونقل بيان لحكومة إقليم كردستان العراق، أن قباد الطالباني وهو نائب رئيس الوزراء في حكومة الإقليم، أبلغ السفير الألماني في العراق ايكهارد بروز خلال استقباله له بمكتبه بمدينة أربيل، أنّ: "هناك حقيقة أن العراق لم يعد قائماً كبلد واحد، ولم يعد هناك انتماء لبلد اسمه العراق، السكان انتماءاتهم صارت للمذهب والقومية، شيعة، سنة، كرد". وهذا يتفق مع ما صرّح به هايدن بقوله إنّ: "ما نسمّيه العراق لم يكن موجودًا، هذه الحقائق العملانية مهمّة، ومرّة أخرى، لا أعتقد أنّ العراق وسوريا سيظهران من جديد، يجب البحث عن أمور بديلة أخرى، ولهذا أدعو إلى تسليح الأكراد مباشرة".

لذلك فأمريكا غير جادة في محاربة تنظيم الدولة، بل إنّها تجد فيه الفرصة المثلى لتحقيق مآربها، لا سيما في إخراج الكيانات الطائفية في العراق، فإذا ما خالف التنظيم الخطوط الأمريكية الحمراء، كهجومه على الأكراد، نجد أنّ أمريكا تتدخل بقوة وتمنعه من كسر تلك الحدود، وتُعيده إلى ما وراءها، وهذا ما حصل عدة مرات مع الأكراد كما شاهدنا في عين العرب، وفي قرى كركوك التي يريدها الأكراد لرسم كيانهم الطائفي، وتُقرهم أمريكا عليها.

وتستخدم أمريكا في خطتها لإرهاق الدولة العراقية وحملها على الخضوع لخططها الاستعمارية التقسيمية ملف الفساد بأسلوب متكرر، فهي تترك الوزراء والنواب والسياسيين يعيثون فساداً في أموال الشعب، لجعلهم يلوذون بها عند افتضاح أمرهم، ويقبلون بكل ما تُمليه عليهم من أعمال، ولو كان ثقيلاً حمله، ومن أشياء ولو كان مراً طعمه، وما سرقة عشرات المليارات من الدولارات التي خُصصت لإعادة الكهرباء إلى المدن العراقية، وكذلك سرقة مئات المليارات الأخرى لإعادة ترميم البنى التحتية المدّمرة في العراق إلا أمثلة صارخة على هذا النهج الأمريكي القديم في العراق، وهو ما يجعل الفساد مستشرياً بصورة ممنهجة، بينما لم يتم محاكمة أي واحد من الفاسدين، لدرجة أن أصبح هناك علاقة عضوية بين الفساد والسياسة في العراق، وهذه العلاقة باتت جزءاً من المخططات السياسية الأمريكية للمنطقة، فحتى تنجح أمريكا في تدمير العراق وتمزيقه، فهي تسمح للسياسيين العراقيين الفاسدين بالانغماس في مستنقع الفساد من أجل إيصال الدولة إلى مستويات عليا من الاهتراء، تسمح معها لأمريكا بتمرير خططها الجهنمية التقسيمية، بحيث لا تقوى الدولة عندها على مقاومة تلك الخطط وتستسلم لها تماماً.

أمّا المواقف الأوروبية لا سيما البريطانية والفرنسية من هذه الخطط الأمريكية فهي مواقف هزيلة غير مؤثرة، ولا تزيد عن عقد المؤتمرات الفاشلة عن العراق كما حصل في مؤتمر لندن الذي أفسده تدخل وزير الخارجية الأمريكي فيه، ومؤتمر باريس الذي لم يكن أكثر من مجرد ملتقى إعلامي، أو مؤتمر الدوحة الذي أبطلته الحكومة العراقية باعتباره ينعقد في دولة تدعم الإرهابيين، والتي طالبت بمنع الجبوري من حضوره، فمواقفهم لا ترقى إلى التأثير في الشأن العراقي وجل ما يريده الأوروبيون هو إبقاؤهم في صورة الأحداث في العراق.

فأمريكا هي التي تتحكم بالعراق تحكماً شبه مطلق، وذلك من خلال السياسيين العملاء أولاً، ومن خلال قاعدتها العسكرية في عين الأسد بالأنبار ثانياً، وكذلك من خلال تلزيم العراق لإيران بُعيد الغزو الأمريكي للعراق.

إلا أنّ كل هذا النفوذ الأمريكي الموجود في العراق لم يستطع حتى الآن تحقيق الأهداف التقسيمية الخبيثة المرسومة، وذلك لسبب بسيط يتعلق بالرأي العام داخل العراق، والذي يرفض المخططات الأمريكية، فالرأي العام لا يُستهان به، ولا تنجح المخططات الدولية مهما كان لها أدوات من دون الاعتماد على الرأي العام الذي يؤكد اليوم في العراق على أنّ غالبية الشعب العراقي لا يثقون بحكامهم العملاء، ولا بمؤسسات الدولة المهترئة، ويرفضون بشدة فكرة تمزيق بلدهم، ويتوقون ليوم تتوحد فيه العراق مع الشام في دولة إسلامية واحدة، خلافة على منهاج النبوة.

الثلاثاء، 15 سبتمبر، 2015

تدخل روسيا السافر في سوريا لن يجلب لها أي فائدة من ناحية استراتيجية



تدخل روسيا السافر في سوريا لن يجلب لها أي فائدة من ناحية استراتيجية
خبر وتعليق



الخبر:

حطّت طائرتان روسيتان محمّلتان بمساعدات قيل بأنّها إنسانية في مطار باسل الأسد الدولي في مدينة اللاذقية السورية يوم السبت الموافق 12 أيلول (سبتمبر) 2015، وذلك وفقاً لوكالة أنباء (سانا) الرسمية، وسبق ذلك ورود تقارير تحدثت عن إرسال روسيا جنوداً وأسلحةً إلى سوريا، فقال مسئولون أمريكيون إن ثلاث طائرات عسكرية روسية على الأقل هبطت في سوريا في الأيام الأخيرة في المطار.

وجاء في أحدث التقارير لـ"رويترز" نقلاً عن مصادر غربية وروسية: "أن موسكو سترسل صواريخ متقدمة من طراز "إس.إيه-22" مضادة للطائرات إلى سوريا"، كما أشارت مصادر لبنانية لـ"رويترز" إلى أن جنودا روس بدأوا بالفعل بالمشاركة في عمليات قتالية لمساندة قوات الأسد، فيما قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في مؤتمر صحفي: "إن الجنود الروس موجودون في سوريا في الأساس للمساعدة في تشغيل هذه المعدات وتدريب الجنود السوريين على استخدامها".

ونقلت "رويترز" عن مصدر قريب من البحرية الروسية أنّ مجموعة من خمس سفن روسية مزودة بصواريخ موجهة أبحرت للقيام بمناورات في المياه السورية، وقال المصدر: "سيتدربون على صد هجوم من الجو والدفاع عن الساحل وهو ما يعني إطلاق نيران المدفعية وتجربة أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى"، وأضاف بأنه تم الاتفاق على هذه المناورات مع الحكومة السورية.

ومن جهة أخرى دعت روسيا الولايات المتحدة إلى استئناف التعاون العسكري المباشر بينهما في سوريا لمحاربة الإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة الإسلامية.

وقد تزامن مع هذا الدعم الروسي العلني لنظام بشار الأسد وجود تغيّر ملحوظ في نبرة بعض الدول الأوروبية في الأسبوع الأخير تجاه النظام، فقالت بريطانيا:

"إنها قد تقبل ببقاء الأسد في السلطة لفترة انتقالية إذا كان هذا سيساعد في حل الصراع"، وقالت فرنسا: "إنه يجب أن يترك الأسد الحكم في إحدى المراحل وليس حالاً"، وقالت النمسا: "إنه يجب أن يكون للأسد دور في محاربة (داعش)"، وقالت إسبانيا: "إن هناك حاجة للتفاوض مع الأسد لإنهاء الحرب".

التعليق:

لم يأت هذا الدعم الروسي النوعي لنظام بشّار الأسد بمعزل عمّا يدور من أحداث في المنطقة، فيبدو أنّ هناك مجموعة من التفاهمات الجديدة فرضها صمود الثوار في وجه كل المؤامرات التي حيكت ضدهم، وهذه التفاهمات تم التوافق عليها بين القوى العظمى في سوريا لا سيما بين أمريكا وروسيا، ولعل تغيّر المواقف الأوروبية التي كانت تُصرّ في السابق على ضرورة رحيل بشار الأسد قبل الحديث عن أي تسوية سياسية في سوريا، فأصبحت تقبل ببقائه إلى أجل محدود لهو دليل على وجود مثل هذه التفاهمات، فأوروبا أدركت أنّ اللعبة الأمريكية الروسية تقتضي استمرار بقاء شخص بشار الأسد على رأس النظام في سوريا، لذلك كان هذا التغير المفاجئ في مواقفها ضرورياً ليتماهى مع المواقف الروسية الأمريكية لتُبقي لها مكاناً في المشهد السوري إلى جانب أمريكا وروسيا.

أمّا هذا التدخل الروسي الكثيف لدعم الطاغية بشار الأسد فسببه استمرار انهيار دفاعات نظامه بشكل منهجي، وعدم قدرته على الصمود، وذلك بالرغم من كل ذلك الدعم الإيراني اللامحدود له، ودعم الميليشيات المتعددة التابعة لإيران له بلا حدود، وعجزها عن إيقاف هذا الانهيار.

فبالرغم من أنّ أمريكا منعت الثوار ولا تزال من امتلاك الأسلحة المضادة للطائرات، وراقبت الحدود بصرامة لمنع إدخال أية أسلحة هجومية، بحيث سُمح لطائرات النظام باستمرار ترويع الناس وقتلهم بالبراميل المتفجرة، وبالرغم من أنّها ضغطت عليهم للانشغال بقتال تنظيم الدولة الإسلامية بدلاً من قتال النظام، وبالرغم من محاولاتها عبر وكلائها وعلى رأسهم السعودية وتركيا للقيام بمحاولة اختراق الفصائل المقاتلة، والحيلولة دون وحدتها وتوحيد أهدافها في إسقاط النظام، بالرغم من ذلك كله فما زال بمقدور الثوار إلحاق أكبر الأذى بقوة النظام، وما زال بمقدورهم طرده من مواقع حسّاسة، وكان آخرها السيطرة على مطار (أبو الظهور) والاستيلاء على طائرات وأسلحة متقدمة فيه، وبالتالي تنظيف منطقة إدلب بكاملها من جميع قواعد النظام، والتقدم جنوباً نحو سهل الغاب، وإلحاق الخسائر بالنظام في مواقع حيوية أخرى في محيط مدينة حماة وفي مناطق أخرى، من مثل إلحاق خسائر باهظة بقوات النظام وحزب إيران في مدينة الزبداني وذلك بعد عجز تلك القوات عن دخولها بالرغم من استمرار الحصار المضروب عليها من مدة طويلة.

إنّ اعتماد أمريكا على دعم روسيا لنظام بشار هو نوع من القتال غير المباشر في سوريا، أو كما يُقال القتال حتى آخر جندي روسي وذلك لتثبيت عميلها بشار في الحكم ريثما تجد البديل المناسب.

وعدم ثقتها بأي بديل من عملائها في المعارضة السورية لهو دليل على فشلها وفشل استراتيجيتها في سوريا، لذلك أصبحت أمريكا تُفضّل تحريك روسيا لتُلقي بثقلها العسكري في سوريا بحجة المحافظة على قاعدتها البحرية الوحيدة في البحر الأبيض المتوسط، وذلك من أجل أن تحمل الثوار على القبول بدور لبشار الأسد في الحل السياسي للصراع وذلك تحت ضغط القوة العسكرية الروسية الضخمة.

لكن الثوار الحقيقيين في بلاد الشام لن يرضخوا ولن يستسلموا أمام جبروت القوة الروسية التي تتحرك بموافقة أمريكية، فسيصمدون ويتوكلون على الله ويستمرون في قتال الطاغية والعمل على إقامة دولة الإسلام - الخلافة الراشدة على منهاج النبوة - على أنقاض حكمه، ولن يقبلوا بأقل من إسقاط النظام بجميع مؤسساته ورموزه وهياكله، وفي النهاية سوف تخسر روسيا مكانتها ونفوذها في سوريا نهائياً، لأنّ النصر لا شك سيكون حليف الثوار، وحليف الإسلام، وسيُنظر إلى الروس في سوريا بوصفهم غزاة مستعمرين، وعلى العكس مما قد يُظن بأنّ روسيا ستثبت النظام، فسوف تشتعل المقاومة ضد الروس ومن شايعهم باعتبارهم كفاراً محتلين، وستتحول سوريا إلى أفغانستان جديدة تحرق الروس والإيرانيين وكل أعداء الثورة، وسيخرج هؤلاء جميعاً من بلاد الشام مدحورين مغلوبين لا يلوون على شيء.

فيا ثوار الشام: لا يغُرّنّكم قوة الروس وجمعهم ضدكم ودعم الأمريكان لهم، ولا يهولنّكم تقاطر حكام العمالة والخيانة على موسكو، ولا يضيرنّكم تراجع مواقف بعض الفصائل المتخاذلة عن القتال إلى جانبكم، فما جمع وخيانة وتخاذل هؤلاء بالتي توقف زحفكم وانتصاراتكم، وما النصر إلا من عند الله، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.

الخميس، 10 سبتمبر، 2015

نتائج لقاء أوباما والملك سلمان في واشنطن


نتائج لقاء أوباما والملك سلمان في واشنطن



بدأ اللقاء بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما وبين الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز بهالة من الحركات والتصريحات البروتوكولية اللافتة التي تدل على مدى تميز العلاقات بين أمريكا والسعودية، فقد استقبل أوباما الملك سلمان في مدخل البيت الأبيض بينما هو في العادة يستقبل زعماء العالم في مكتبه، فيما أشار الملك سلمان في كلمته إلى التذكير بأنه تعمّد أن تكون أول زيارة له منذ توليه الحكم إلى الولايات المتحدة، وذلك في تعبير صريح عن عمق العلاقات بين الدولتين منذ أيام مؤسس الدولة السعودية الحالية الملك عبدالعزيز، ولقائه بالرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت على ظهر المدمرة الأمريكية كوينز في قناة السويس، والذي كان لقاءاً حاسماً في تحويل السعودية إلى النفوذ الأمريكي، وقال سلمان في إشارته تلك: "أنا سعيد أن أكون مع صديق في بلد صديق"، ووصف زيارته بأنّها :" رمز للعلاقات المتينة التي تربطني بالولايات المتحدة، وهي بكل تأكيد علاقات تاريخية" فأظهر في تصريحاته مدى حميمية العلاقات السعودية الأمريكية، وقال بأنّه يود العمل مع أوباما:" من أجل سلام العالم أجمع"، ودعاه لزيارة السعودية، أمّا أوباما فقال بأنّه لا يريد مناقشة الوضع في اليمن والاتفاق النووي والأزمة السورية ومكافحة الارهاب وحسب، بل يريد أيضاً:" تعميق التعاون في مجالات التعليم والطاقة النظيفة والعلوم والتغيرات المناخية"، فأظهر في تصريحاته أنّه يريد أن تُسيطر أمريكا على جميع جوانب الحياة في السعودية.
 وقد وصف وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الزيارة بـ"المحورية والتاريخية"،وأنها ستضع"أفقاً جديداً" للعلاقات بين البلدين التي ستشهد " تطورات لعقود طويلة"، فلاحظوا كيف يُركز الحكام التابعون لأمريكا على النواحي العاطفية والشخصية التافهة، بينما يُركز حكام أمريكا على الاستحواذ على أكبر قدر من المنافع والمصالح والنفوذ.
لقد ألزمت الادارة الأمريكية الدولة السعودية ببنود اتفاقية كامب ديفد التي عقدت بين أمريكا والدول الخليجية الست قبل عدة أشهر، والتي لم يحضرها المللك السعودي آنذاك شخصياً، وحضرها نيابة عنه ولي عهده محمد بن نايف، وابنه محمد ولي ولي العهد، واستمر هذا الالتزام بهذه الاتفاقية الأمريكية الخليجية مع كل لقاء أو إجتماع بين قادة البلدين، أو بين كل قادة دول الخليج مع القادة الأمريكيين، وفي هذا اللقاء الأخير عبّر أوباما وسلمان في لقاءهما عن ارتياحهما لنتائج قمة كامب ديفيد التي جاءت لتقوية الشراكة الأمريكية الخليجية على حد وصفهما، وعلى تعزيز التعاون الدفاعي والأمني، كما أكّد الجانبان عزمهما على التزامهما بتنفيذ كافة الموضوعات التي تم الاتفاق عليها في تلك القمة ، بحيث غدت اتفاقية كامب ديفد مرجعية أساسية للشراكة الأمريكية الخليجية، بل إن معظم التفاهمات التي تلتها حتى الآن لم تتجاوزها.
وأمّا الجديد في لقاء أوباما مع سلمان في هذه القمة الجديدة في واشنطن هو ربط السعودية بالتبعية الأمريكية لعقود طويلة قادمة ربطاً محكماً، واعتبار السعودية دولة محورية في منطقة الشرق الأوسط لتمرير المخططات الأمريكية الاستعمارية من خلالها، وقد عُبّر عن هذا المعنى بما تم تسميته - إستراتيجية جديدة مشتركة للقرن الحادي والعشرين - والتي كما قيل شملت رؤى المملكة حيال هذه العلاقة الاستراتيجية، وكيفية تطوير هذه العلاقة بشكل كبير بين البلدين، وقد أصدر سلمان وأوباما توجيهاتهما للمسؤولين في حكومتيهما بوضع الآلية المناسبة للمضي قدماً في تنفيذها خلال الأشهر المقبلة، أي أنّ أمريكا وضعت طريقة محكمة لتنفيذ رؤيتها الاستعمارية تلك.
ويبدو أنّ إدارة أوباما قد اعتمدت ولي ولي العهد محمد بن سلمان في متابعة وتنفيذ هذه الاستراتيجية حيث تمّ تكليفه بعرضها على الرئيس أوباما والملك سلمان في المجلس، وكان من أهم بنودها بالإضافة إلى البنود الأمنية والدفاعية ما يتعلق بالجانب الاقتصادي والذي أشار فيه الأمير محمد بن سلمان إلى مسألة خطيرة جداً، بل هي مسألة غاية في الخطورة ألا وهي: "ربط القطاع الخاص الأميركي بالسعودية لعقود طويلة".
ومن النتائج الجديدة لهذا اللقاء انتزاع امريكا من السعودية موافقة صريحة على الاتفاق النووي الايراني حيث عبّر الملك سلمان صراحة عن دعمه للاتفاق النووي الذي وقعته دول "5+1" مع إيران، وبرّر وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قبول الاتفاق الذي كانت السعودية تُعارضه بشدة بقوله إنّ المملكة اطلعت على ترتيبات الاتفاق النووي مع إيران، بما في ذلك عمليات التفتيش والمراقبة على المواقع وإعادة فرض العقوبات لو أخلّت إيران بالتزاماتها، وأكد أن "السعودية راضية عن هذه الترتيبات".
وأمّا بالنسبة للملفات السورية واليمنية فقد جاءت صياغة البيان المشترك للقمة عامة وفضفاضة ولم تُحقق مطالب الحكام السعوديين وأمانيهم، وافتقرت لوجود ضمانات مكتوبة، فقد تم التأكيد على الحل السلمي وفق مؤتمر جنيف ( 1) للمشكلة السورية، وعلى الحل السلمي وفق القرار الدولي ( 2216 ) الخاص باليمن، وبالتالي فلا يوجد أي جديد حول المشكلتين السورية واليمنية في هذا اللقاء.
بل إنّ الادارة الأمريكية ركّزت على ضرورة استمرار تعاون السعودية مع أمريكا حول المعارضة السورية، وكان قد أعلن بن رودس كبير مساعدي أوباما للشؤون الخارجية قبل القمة أن البيت الأبيض يريد التأكد من أن البلدين "لديهما وجهة نظر واحدة" حول مجموعات المعارضة السورية التي يجب أن تتلقى دعم، وهو ما يعني أنّ من تدعمهم السعودية من المعارضة السورية يجب أن تُوافق أمريكا على دعمهم، وبمعنى آخر فإنّ الثوار ممن يتلقون الدعم من السعودية لا يخرجوا عن كونهم أدوات أمريكية.
وأخذ الجانب الدفاعي والتسليحي القسط الأكبر في المحادثات، فكان جُل التركيز في القمة على النواحي التسليحية وبيع السعودية منظومات دفاعية باهظة الثمن، فقال وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر:"إن بلاده ملتزمة ببناء القدرات الدفاعية للمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، لمواجهة التهديدات المحتملة من إيران وتنظيم الدولة "داعش" وغيرهما"، وذلك خلال لقاء جمع كارتر مع وزير الدفاع وولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال فترة الزيارة، وهذا يعني أنّ السعودية سوف تدفع عشرات المليارات ثمن بتاء تلك القدرات الدفاعية غير المحدودة، وهو ما يُكرّسها كبقرة حلوب إلى ما لا نهاية.
وخلاصة هذه القمة الأمريكية السعودية أنّ أمريكا تمكنت من ربط السعودية بها ربطاً محكماً في المجالات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والنفطية والتعليمية والمناخية لعقود طويلة ما دامت أسرة آل سعود في السلطة، وأنّ تبعية السعودية لأمريكا وفقاً لما أسموه بالشراكة الاستراتيجية بين البلدين ستكون تبعية مطلقة لا انفكاك منها، وأنّ الحل الوحيد لإلغاء هذه التبعية لا يكون إلا بإسقاط نظام حكم آل سعود، وإقامة دولة الإسلام الحقيقية على أنقاض الدولة السعودية، والتي ستقضي على النفوذ الأمريكي في المنطقة قضاءً مبرماً، بل وستكنس الوجود الغربي برمته مع أدواته وعملائه كنساً شاملاً.

الخميس، 3 سبتمبر، 2015

الخلافات بين الاصلاحيين والمحافظين في ايران شكلية ولا تؤثر في صنع القرار السياسي



خلافات القيادات الايرانية مسألة شكلية ولا تؤثر في صنع القرار الإيراني



 تظهر بين الفيْنة والأخرى في أروقة صُنّاع القرار السياسي الإيرانية اختلافات سياسية يصعب جسرها،  على مستوى القيادات العليا في إيران، بدأت تطفو على السطح، ويُظن بأنّها ستُحدث تأثيراً بيّناً في السياسة الإيرانية الداخلية والخارجية، ويبدو معها أنّها قد تؤثّر في صنع القرار الإيراني، أو أنّها قد تُغيّر في الاتفاقات الدولية التي أبرمتها إيران مع القوى العالمية كالاتفاق النووي الذي وقّعته إيران مع الدول العظمى الخمسة زائد واحد، أو أنّها قد تؤدي إلى تغييرملموس في بُنية النظام السياسي في داخل إيران نفسها، والسؤال الذي يطرح نفسه هو : هل لهذه الاختلافات انعكاسات جدية على القرار السياسي الايراني؟ وهل لها إسقاطات منظورة على الواقع؟
يُقال بأن          المرشد آية الله خامنئي يُعارض الاتفاق النووي، وقد نُقل عن مقربين منه كرئيس تحرير صحيفة كيهان الإيرانية المحافظة حسين شريعتمداري قوله إن : "خامنئي لم يوافق علناً على الاتفاق أو يرفضه"، وقال شريعتمداري في افتتاحيته إن أجزاءاً كثيرة من الاتفاق تُهدد استقلال وأمن إيران، وما سمّاه بـ"قداسة النظام الاسلامي للجمهورية" في ايران، معتبراً - من دون ان يحدد هذه الأجزاء -  بأنه سيكون "كارثياً اذا تم تنفيذ الاتفاق"، وأضاف: "سواء تمت الموافقة على هذا النص أو تم رفضه، لن نسمح لأحد بأن يضر المبادئ الرئيسية لـ(حكم) النظام الإسلامي".
وفي السياق نفسه انتقد ممثل بارز لخامنئي وهو أحمد علم الهدى الاتفاق النووي قائلاً انه "تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها خامنئي"، وقال بأنّه :"لا ينبغي للأجانب أن يصلوا الى الأجهزة الأمنية الإيرانية، لكن الاتفاق ينتهك ذلك بالسماح للمفتشين بزيارة مواقع عسكري".
وكان خامنئي بالمقابل قد صرّح لوكالة الانباء الطلابية "ايسنا": " ان مفاوضينا النوويين يحاولون سلب العدو سلاح العقوبات فاذا نجحوا في محاولاتهم فان ذلك سيكون جيدا واذا لم يفلحوا فإن على الجميع ان يعلموا ان هناك طرقا اخرى للحد من سلاح العقوبات"، واشار الى مقولة الرئيس الايراني حسن روحاني ان نتيجة المفاوضات بين الجانبين ان يصلا الى نقاط مشتركة لكي لا يفرض طرف رأيه على الطرف الآخر، واضاف:" ان ايران من اجل التوصل الى اتفاق مع السداسية الدولية اوقفت تطوير اجهزة تخصيب إلىورانيوم وانتاج إلىورانيوم بنسبة 20 بالمائة كما اوقفت العمل في منشآت اراك و فوردو وعلى هذا فإن الجانب الايراني قد عمل بصورة منطقية ولكن الطرف الآخر يريد الابتزاز".
وأمّا وزير الخارجية محمد جواد ظريف فقال لوكالات الانباء الايرانية: "لدينا نظام سياسي حيوي في إيران والشعب الايراني يفهم أن الحكومة اتخذت تدابير ضرورية لضمان نجاحنا في المفاوضات، وان المرشد يدعم الوفد الايراني المفاوض في المحادثات النووية، وأن الاتفاق النووي يصب في صالح الامن والسلام بالمنطقة ويخدم التقدم العلمي الإيراني".

وأمّا قائد القوات المسلحة الايرانية الجنرال حسن فيروزآبادي المقرب من المرشد الايراني الأعلى فقد دعم الاتفاق، بالرغم ما يعتريه من قلق حوله.
إنّ هذه التصريحات الصادرة عن المحسوبين على خامنئي وعن خامنئي نفسه لا تدل على رفض الاتفاق، وإنّما تُثير حالة من الغموض المقصود حول الموافقة المشروطة للإتفاق بهدف الاستهلاك المحلي في الداخل لإستيعاب المحافظين من المعارضين الحقيقيين للإتفاق بالتصريحات الكلامية، والديباجات اللفظية، وكذلك بقصد الضغط على المعارضين للإتفاق في الخارج وذلك ليكفوا عن معارضتهم، ولكي لا يُنغصوا على الادارة الأمريكية التي تُكافح لتمريره، وذلك بتخويفهم والقول بإنّ ايران لم تُوافق على الاتفاق بعد، وأنّ من الأفضل لهم قبول الاتفاق من أجل عدم منح المحافظين المتشددين في ايران الفرصة للقيام بزعزعة السلم العالمي، وهو ما يفعله تماماً كل من أوباما وكيري بقوة فهما يخاطبان الكونغرس والمعارضين للإتفاق بكل أساليب التخويف والتهديد لحملهم على الرضوخ وإقرار الاتفاق.
ومن هنا كانت الاختلافات بين القادة الايرانيين المحافظين من جهة، والاصلاحيين من جهة ثانية، ما هي سوى اختلافات شكلية ولفظية وليست اختلافات سياسية حقيقية، لأنّها لو كانت حقيقية لما سُمح بدايةً للمفاوضات بالاستمرار، ولما سُمح أصلاً لظريف بتوقيع الاتفاق.
فإيران ومنذ ثورة الخميني ما زالت تلعب مثل هذه الأدوار المشبوهة فتُهاجم أمريكا وتصفها بالشيطان الاكبر، بينما أمريكا تصفها بالدولة المارقة الراعية للإرهاب، والنتيجة أنّ ايران استُغلت باستمرار كفزّاعة لدول الخليج والتي تحولت إلى ما يُشبه البقرة الحلوب التي تُدرّ على أمريكا تريليونات الدولارات بفضل بيعها لترسانات الأسلحة لها.
وأضافت أمريكا لإيران دوراً جديداً تلعبه بإتقان في هذه الأيام وهو الدور الطائفي الذي يُساعدها بالتلبس به على تحقيق أجندتها في تمزيق المنطقة إلى كيانات مذهبية وعرقية، ليُسهّل عليها السيطرة على الثورات المتفجرة فيها، والتي بدأت تتمنطق بالفكر الاسلامي الذي بات يُثير الرعب لدى أمريكا ولدى القوى الكبرى الأخرى المستعمرة على حدٍ سواء كونه يُفضي في النهاية إلى قيام دولة الخلافة الحقيقية.
إنّ نظام الملالي في إيران هو من أفضل الأنظمة الموجودة التي ساعدت - وما تزال تُساعد - أمريكا في تحقيق سياساتها الخارجية، وتجربته في إيران منذ ثورة الخميني وحتى هذه الأيام يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن لا نظام غيره قد أفاد أمريكا كما أفادها هذا النظام، فهذا النظام قد ساعدها في السابق في  غزوها لأفغانستان والعراق، ويُساعدها الآن في قمع الثورات في بلاد الشام واليمن، وذلك من خلال تثبيت أنظمة الطغاة كما هو الحال في سوريا، وإفساد الثورات التي اندلعت كما هو الحال في اليمن.
وقد وقفت أمريكا موقفاً سلبياً مائعاً إزاء انتفاضة الاصلاحيين وعلى رأسهم مير حسين موسوي ومهدي خروبي اللذين أوشكا أن يُحدثا تغييراً جذرياً في النظام السياسي لولا انقلاب النظام ضدهما، وتزوير نتائج الانتخابات الذين فازا فيها على مرشح خامنئي إذاك محمود أحمدي نجاد، وهو ما أدّى بالتالي إلى إحباط أول عملية تغيير جادة ضد النظام منذ ثورة الخميني، وتمّ زجّ قادة الانتفاضة بالسجون، وفرض الاقامة الجبرية على قائدا الانتفاضة موسوي وخروبي حتى الآن.
وبينما وقفت أمريكا موقفاُ مخذّلاً للانتفاضة كان موقف بريطانيا وأوروبا أكثر حزماً وأشد تأييداً لأولئك الاصلاحيين المنتفضين، وهو ما يُفسّر موقف النظام الايراني الصارم ضد بريطانيا التي تم اغلاق سفارتها وتم اقتحامها عدة مرات، كما تم خروج المظاهرات الموجهة ضد بريطانيا تحديداً، كما تم هجوم إعلامي إيراني شديد ضدها.
وهكذا نجد أنّ أمريكا تقف موقفاً مسايراً لنظام الملالي، وسلبياً تجاه الاصلاحيين، وهو ما يؤكد على أنّ أمريكا تُفضّل استمرار وجود نظام الملالي في الحكم، ولا ترغب بدعم أي توجه للاصلاحيين، لأنّ هذا النظام قد أفاد أمريكا بشكل لا يوصف، وهي تخشى من التغيير طالما أنّ أهدافها متحققة بوجوده، ولا حاجة لها لتجارب جديدة مع الاصلاحيين الذين قد يجلبوا لإيران والمنطقة الكوارث وعدم الاستقرار، فأمريكا بالتأكيد في غنىً عنها.