الخميس، 17 أكتوبر 2019

برامج التبادل وصناعة العملاء



برامج التبادل وصناعة العملاء





نشرت السفارة الأمريكية خبراً خطيراً على شكل تغريدة على تويتر لم يلق أي اهتمام إعلامي بالرغم من خطورته، ومفاده أنّ السفارة الأمريكية في الخرطوم: "تُعلن وبفخر أنّ العديد من الوزراء السودانيين الذين أدّوا اليمين الدستورية هم من خريجي برامج التبادل، وأنّنا لم يتوقف تعاوننا مع السودان من خلال هذه البرامج مُطلقاً، وسيقفز هذا التعاون للمضي قُدُماً في المُستقبل".
فهذا هو إذاً عمل برامج التبادل الأمريكية بكل بساطة، وهو تكوين عقليات وشخصيات على الطريقة الأمريكية، وتمكينهم من الوزارة والحكم في بلاد المسلمين وغيرها، وبمعنى آخر زراعة رجالها في الحكم في الدول التابعة لها، فلا تكتفي بتبعية شخص الرئيس أو القائد بل توجد مجموعة من الوزراء والمتنفذين التابعين لها وتزرعهم في مفاصل الدولة الرئيسية.
إنّ أمريكا تُنفق على هذه البرامج أموالاً هائلة، فقد أنفقت على برامج المخابرات في عام 2003 مثلاً 30 مليار دولار، بينما أنفقت في العام نفسه على برامج التبادل 230 مليار دولار، أي أكثر من سبعة أضعاف ما أنفقته على برامج المخابرات، وهو ما يدل على أهمية هذه البرامج لدى صُنّاع القرار في أمريكا.
ومنذ العام 2003 ساهمت هذه البرامج في إحضار 700000 موفد أجنبي إلى الأراضي الأمريكية تلقوا الثقافة الأمريكية من خلال هذه البرامج، منهم 200 رئيس دولة و1500 وزير.
وهم يقولون: إنّ مفهوم التبادل لا يعني بالضرورة تبادل الأشخاص وإنّما هو تبادل الثقافات، أي أنّ المقصود منه زرع الثقافة الأمريكية في عقول المشاركين بهذه البرامج، وبمعنى آخر فهو عبارة عن عملية غسيل أدمغة، وتهيئة رجال من الدمى العملاء لأمريكا.
وتقوم الجامعات والمعاهد بالدور الأبرز في هذه البرامج، ومُعظم الموفدين هم من خريجي هذه المؤسّسات التعليمية، ولو استعرضنا أسماء بعض الوزراء السودانيين الجدد وخبراتهم والجامعات التي درسوا فيها لوجدنا هناك علاقة ما بين الجامعات والمؤسسات الدولية التي تهيمن أمريكا عليها وبين هؤلاء الوزراء.
فمثلاً عمر مانيس وزير شؤون الرئاسة عمل مندوباً للسودان لدى الأمم المتحدة ومبعوثاً للسلام في الكونغو، وأسماء عبد الله وزيرة الخارجية لها علاقة بمنظمة كفاية الأمريكية، وإبراهيم البدروي كان خبيراً في إيجاد السلام، ونصر الله عبد الباري وزير العدل هو مستشار للقانون الدولي من جامعة هارفارد، وأكرم علي الدوح وزير الصحة درس الماجستير في جامعة جورج تاون الأمريكية وينوي إكمال الدكتوراه في الجامعة نفسها.
وهناك وزراء لهم علاقة بالجامعات البريطانية منهم وزير الثقافة فيصل محمد صالح الذي أنهى الماجستير في الدراسات من جامعة ويلز البريطانية، وولاء عصام البوشي التي تحمل الماجستير من جامعة إمبريال كوليج لندن، ولينا الشيح وزيرة التنمية معها ماجستير من جامعة مانشستر وكانت استشارية لدى مكتب اتفاق الأمم المتحدة.
فما علاقة هؤلاء بالثورة السودانية؟ وهل هؤلاء هم أبناء الثورة والتغيير أم هم صناعة برامج التبادل الأمريكية والبريطانية؟
لقد قام عبد الله حمدوك رئيس الوزارة السودانية الجديدة بأول زيارة خارجية له إلى جنوب السودان، واصطحب معه مجموعة من الوزراء ليؤكد على تكريس حكومة (الثورة الجديدة) الانفصال عن الجنوب، واعتبر من أهم أولوياته الخارجية فتح الحوار مع أمريكا لرفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية (للإرهاب)، والتفاوض مع صندوق النقد والبنك الدوليين لأخذ قروض ربوية جديدة وإغراق البلد بالديون.
وفي السياسة الداخلية جعل حمدوك من أهم أولوياته مُساواة المرأة بالرجل، والهدف واضح وهو إبعاد أحكام الشريعة الإسلامية عن العلاقات الاجتماعية وإطلاق العنان لإفساد المرأة والأسرة ونشر الرذائل في المجتمع تحت شعار مساواة المرأة بالرجل.
فهل هذه أعمال وزارة خرجت من رحم الثورة أم هي أعمال وزارة خرجت بتوجيهات من المشرفين على برامج التبادل؟!

الثلاثاء، 15 أكتوبر 2019

مغزى منح آبي أحمد جائزة نوبل للسلام



مغزى منح آبي أحمد جائزة نوبل للسلام





الخبر:
أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم - وهي الجهة المُختصة بمنح جائزة نوبل للسلام - يوم الجمعة الموافق 11/10/2019 عن فوز رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بالجائزة للعام 2019، وذلك تقديراً لجهوده في ما يُسمّى بـ"تحقيق السلام والتعاون الدولي"، وخصوصاً مُبادرته الحاسمة في "تسوية النزاع مع إريتريا"، و"إصلاحاته التي منحت الأمل في حياة أفضل للإثيوبيين" وذلك وفقاً لما جاء في الخبر.
التعليق:
لمْ تُعط جائزة نوبل للسلام من قبل لشخصية قط إلا بناءً على إنجازات سياسية مُهمة يتمّ تنفيذها خدمةً للمصالح الأمريكية والغربية عموماً، فما هي إنجازات آبي أحمد السياسية المدعومة من أمريكا، والتي أهّلته لنيل أرفع جائزة عالمية مرموقة لا ينالها شخص إلاّ وقد خدم هذه المصالح؟
قبل ذكر أهم الإنجازات التي قام بها آبي أحمد لا بُدّ لنا من التذكير أولاً بأهمية إثيوبيا الجيوسياسية بالنسبة لأمريكا والغرب، فهذه الدولة الأفريقية الكبيرة تقع في شرق أفريقيا، ويزيد تعداد سكانها عن المائة مليون نسمة، وهي من أهم المصادر المائية لنهر النيل، وتؤثر على ربع دول القارة الأفريقية مباشرة، وفيها مقر الاتحاد الأفريقي، ويعيش فيها أكثر من أربع قوميات مُتناحرة ومُتنافسة على السلطة، وعدم استقرارها يعني عدم استقرار دول شرق أفريقيا جميعها، لذلك بدأت أمريكا بإعادة ترتيب أوضاعها لمنحها الاستقرار النسبي خوفاً من وقوعها بالفوضى، وخروجها من ثمّ من القبضة الأمريكية، لا سيما بعد وفاة رئيسها القوي، وانزلاق البلاد بعده في صراعات قبلية كادت تودي بأمنها ووحدة أراضيها واستقرارها، وهو ما شكّل خطراً على إمكانية انفلاتها من السيطرة الأمريكية، فوجدت أمريكا في شخصية آبي أحمد ضالتها، وهو السياسي المسلم (المُنفتح) المتزوج من نصرانية، والذي ينتمي إلى الأورمو وهي أكبر قومية من القوميات الأربع الرئيسية التي تُشكّل الدولة الإثيوبية.
استخدم آبي أحمد خطاباً سياسياً توحيدياً ابتعد فيه عن التعصب القومي، وقدّم نفسه لأهل إثيوبيا بصفته سياسياً جديداً لهم جميعا، وسُخّرت له الإمكانيات الخارجية الدولية والفنية للقيام بهذا الدور، وتمكّن من تثبيت أركان حكمه بالاعتماد على الأجهزة الأمنية التابعة لقومية التيغري القوية التي دعمته لتحصل على مكاسب ومراكز في الدولة في منافسة خصومها من القوميات الأخرى، وأوجد آبي أحمد تحالفاً عسكرياً ناجحاً مُوالياً له داخل الجيش يتكون من مجموعة ضباط تمت ترقيتهم إلى جنرالات من قوميات مختلفة تمكنوا من الإطاحة برئيس الأركان السابق الذي كان يتصرف كقائد عسكري متفرد بالسلطة، وكان محسوباً على طائفة بعينها، ثمّ بدأ بعد ذلك بتعيين قادة لأجهزة الأمن والاستخبارات من الموالين له مُستعيناً بأنظمة وبرامج كمبيوترية تجسسية، وقام بعد ذلك بتوسيع دائرة نفوذه بتعيين قيادات من جميع القوميات حتى المُهمّشة منها، وهو ما أدّى إلى تثبيت دعائم حكمه بشكلٍ أقوى.
بعد فرض سيطرته الأمنية والعسكرية بمساعدة وتوجيه من الدوائر الأمريكية استخدم لعبة الديمقراطية والانتخابات ففاز بالحكم وأصبح رجل الدولة الأقوى في البلد.
وعلى صعيد الجوار المُباشر قام وبتوجيه أمريكي بإنهاء النزاع مع الجارة إريتريا الذي أرهق الدولة، وأخّر نهوضها، فأوعزت أمريكا لرئيسها أفورقي وهو عميل أمريكي عريق بالتعاون والتصالح مع آبي أحمد، فلاقت هذه الخطوة ارتياحاً شعبياً كبيراً.
ثمّ شرع آبي أحمد بخصخصة القطاعات العامة للدولة لتتمكن الشركات الأمريكية والغربية من النفاذ بسهولة ويسر للاقتصاد الإثيوبي الكبير، بعيداً عن عوائق البيروقراطية العسكرية.
وأخيراً وجّهته أمريكا لمساعدة السودان في نقل هذا النموذج الإثيوبي الجديد في السلطة والقائم على المزج بين النفوذين العسكري والسياسي وإيجاد الاستقرار من خلال اللعبة الديمقراطية للاعبين المُتنفذين من عملاء أمريكا والغرب - عسكريين ومدنيين - للسيطرة على الحكم وتجاوز الثورة الشعبية.
هذه هي إنجازات آبي أحمد التي استحق عليها جائزة نوبل للسلام والتي جعلته نموذجاً يُحتذى في القارة الأفريقية، وهي كلها كما هو واضح جاءت بتوجيهات أمريكية.